فرنسا ووهم الحصن المنيع

فرنسا تولي الجسد المريض أهمية أكبر من الجسد المضطهد، وتقدم بذلك الحياة المادية على الحياة السياسية، فتغدو الحياة البيولوجية التي يشهد عليها محترفو القطاع الصحي أكثر مصداقية من الحياة البيوغرافية التي يسردها طالبو اللجوء.
الأحد 2018/05/06
جدل في باريس (لوحة بشير قوشجي)

في شهر أكتوبر الماضي خصص الكوليج دو فرانس ندوته الافتتاحية للمنفَى بوجه عام وللمهاجرين بوجه خاص، بغية “إعادة تثبيت القيم الفلسفية للضيافة”، شارك فيها ثلة من علماء الآثار واللسانيات والاجتماع والفلاسفة والمؤرخين ورجال القانون، وأجمعوا على الصعوبات التي يلقونها لإبلاغ أصواتهم في ظرف اقترنت فيه الهجرة بألفاظ سلبية كالأزمة والكارثة والاجتياح… والحال أنها ظاهرة ارتحال وحركية، والحركية هي الشرط الأساس للوجود البشري.

لقد مثلت نهاية القرن العشرين لحظة إحساس إنساني عميق شهدت ظهور عدة منظمات غير حكومية، إلى جانب تعاطف السياسات الوطنية والدولية مع القضايا الجارحة التي تمس البشر في بقاع كثيرة من العالم، ولكن الوضع تغيّر منذ مطلع القرن الواحد والعشرين، وناب عن التسامح والتعاطف عهدٌ أمنيّ اتبع الزجر والمعاقبة في شتى المجالات، ومراكمة قوانين الطوارئ، واتخاذ إجراءات قمعية ما كان يتصوّر أحد حدوثها في بلد حقوق الإنسان.

 عندما نرى أفواج المهاجرين الذين يحاولون عبور المتوسط للفرار من البؤس والعنف يُمنعون ويُعادون من حيث جاؤوا أو يُعاملون من قبل الموظفين معاملة قاسية، نكاد لا نصدق أن فرنسا كانت، وما بالعهد من قدم، تُشرع أبوابها للاجئي القوارب القادمين من جنوب شرق آسيا، وأن الرئيس الأسبق جيسكار ديستان نال عن ذلك جائزة نانسن التي تسندها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، حين كان ثمة إجماع على ضرورة نجدة الفارين من الأخطار المحدقة. أما اليوم، فقد انقلبت الموازين، وصار إنقاذ الأرواح المهددة حيثما كانت، أو مساعدتها بأي شكل من الأشكال سواء بإيوائها أو إطعامها، يعرّض صاحبه للمحاسبة أمام القضاء.

في كتاب “الحياة – طريقة استعمال نقدية”، يكشف الباحث والطبيب وعالم الاجتماع ديديي فاسّان، التحول التراجيدي للقيم الديمقراطية، ويتساءل بعد أعوام من البحوث الميدانية في أماكن كثيرة من العالم عن تفاوت الحيوات من حيث قيمتها،  ويضرب مثلا عن مهاجر صادفه في مخيم للاجئين مطل على بحر المانش صار يعرف بـ”غابة كالي”، خاط شفتيه ورفع لافتة كتب عليها “أنا أيضا إنسان”، ويرى أنها رسالة قوية لا تذكّر فقط بالمعالجة الشاذة المنحرفة التي يلقاها بشر “خُلقوا -مبدئيا- أحرارا ومتساوين في الحقوق”، بل بالبون الشاسع بين القيمة العليا التي يوليها الفرنسيون للحياة بشكل مجرّد، وبين القيمة المتعلقة بـ”حيوات” ملموسة. و

في رأيه أن مبادئ المساواة والحرية والإخاء لم تعد سوى مجرّد شعارات ما دامت بلاده لا تحترمها، وأن الاستهانة بأرواح آلاف الضحايا الذين يبتلعهم المتوسط كل عام، رغم قربهم من فرنسا جغرافيا وتاريخيا، تقيم الدليل على وجود تراتبية في قيمة الحيوات؛ “تراتبية بحسب المسافة التي نخلقها مع أولئك البشر، لا من منظور كيلومتري بل من منظور أنثروبولوجي، لأنهم يبدون لنا «آخرين». لون بشرتهم، نمط عيشهم، شكل حياتهم… كل ذلك يجعلنا نتمثّلهم أناسا لا ينتمون تماما إلى مجموعتنا الأخلاقية. ومن ثَمّ لا نملك تجاههم سوى أشكال قصوى لروابط هشة” كما يقول.

 وينتقد فاسّان تمييز الحكومة الفرنسية بين اللاجئين الذين تنبغي حمايتهم، وبين المهاجرين الذين ينبغي إبعادهم، معتبرا أن ذلك خديعة. أولا؛ لأن دراسة أسباب الارتحال من بلد المنشأ تبيّن أن العنف السياسي والصعوبات الاقتصادية متضافرة في الغالب، وأنه من الوهم الاعتقاد بأن ضباط المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية وقضاة المحكمة الوطنية لحقّ اللجوء يملكون الحقيقة في هذا المجال، ويستطيعون التمييز بين من يستحق ومن لا يستحق.

ثانيا؛ عندما نلاحظ ما يجري على أرض الواقع، سواء على الحدود الإيطالية أو في “غابة كالي” أو في شوارع باريس، لا يبدو أن رجال الأمن يميزون بين طالبي اللجوء والأجانب الذين هم في وضع غير قانوني، فهم لا يطلبون أوراق هوية النائمين في خيام تحت الجسور قبل أن يطلقوا عليهم الغازات المسيلة للدموع، ويهدموا خيامهم ويمزقوا أغطيتهم. ما يعني أن ثمة استهتارا في معالجة أوضاعهم وفي إنكار تلك المعالجة التي قد تصل حدّ معاقبة من يمدون للغرباء مساعدة تبخل بها الدولة عليهم.

ومن الظواهر الغريبة التي سجلها فاسّان منذ أواخر القرن الماضي أن الدولة، التي ضربت حصارا على الهجرة حتى أن عددَ من سوّيت وضعياتهم من طالبي اللجوء السياسي تراجع بنسبة تسعين في المئة، صارت تسمح بتسوية وضعيات الأجانب المصابين بمرض عضال لا يمكن علاجه في بلد المنشأ.

 أي أن فرنسا تولي الجسد المريض أهمية أكبر من الجسد المضطهد، وتقدم بذلك الحياة المادية على الحياة السياسية، فتغدو الحياة البيولوجية التي يشهد عليها محترفو القطاع الصحي أكثر مصداقية من الحياة البيوغرافية التي يسردها طالبو اللجوء. وما ذلك إلا تصوير حي لظاهرة أعمّ كانت حنا أرندت نبهت إليها منذ نصف قرن في كتابها “وضع الإنسان المعاصر”، ونعني بها أولوية الحياة كواقع بيولوجي على الحياة كواقع اجتماعي.

من جهته، يؤكد عالم الإثنولوجيا والأنثروبولوجيا ميشيل أجيي، وأحد المساهمين في ندوة الكوليج دو فرانس، أن الناس، في عالم يزداد انفتاحا، سوف يتنقلون بأعداد متزايدة، ويخطئ من يظن أنه يمكن أن يبقى منغلقا على نفسه لا يقبل أحدا، لأن ذلك محض أوهام. وأجيي يتحدث حديث العارف الملم بالموضوع، قد عهدت له الوكالة القومية للبحث منذ أبريل 2017 بوضع برنامج “المدينة كحدّ” يضم تحت إشرافه ثلاثين باحثا بغرض دراسة الأشكال العملية لاستقبال المهاجرين.

10