فرنسا – الجزائر: ذاكرة مشوّشة لجسدين مريضين

إصرار الجزائر على إعادة فتح ملّفات الحقبة الاستعمارية لا يمكن فهمه بمعزل عن الغايات والدوافع السياسية التي تقف وراءه والمتمثلة في محاولة الانصراف عن ستّة عقود بُدّدت فيها طاقات هائلة.
الثلاثاء 2021/01/26
"ملفّات الذاكرة" توظيف انتهازي للتاريخ

بأهداف متباينة تلتقي عند التوظيف الانتهازي للتاريخ ومحاولة التكسّب السياسي من أحداثه، تنخرط الجزائر وفرنسا في “حفلة نفاق” مشتركة حول ما بات يعرف بملف الذاكرة، الذي تكاد كثرة الضجيج المثار حوله والجدل الدائر بشأنه توحي لمن يتابع تفاصيل الملف أنّ الزمن توقّف بالبلدين عند فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر الممتدة بين ثلاثينات القرن التاسع عشر وستينات القرن العشرين بكل تفاصيلها، وما حدث فيها من صراع وعنف وما سال خلالها من دماء وما سقط فيها من ضحايا.

من الجانب الجزائري لا يمكن فهم الإصرار على إعادة فتح ملّفات الحقبة الاستعمارية، والإلحاح في مطالبة فرنسا بالاعتذار بمعزل عن الغايات والدوافع السياسية التي تقف وراءه، والتي تتمثّل بالخصوص في محاولة الانصراف عن الواقع القائم في البلد والمترتّب عن ستّة عقود من الاستقلال أُهدر خلالها وقت ثمين وبُدّدت فيها طاقات هائلة، ولم يُنجز أثناءها شيء مهمّ قياسا بما كان يمكن إنجازه، ومقارنة بما أنجزته دول أخرى عاشت مثل الجزائر تجربة الاستعمار وخاضت معركة التحرّر منه، ولكّنها لا تمتلك ما للجزائر من ثروات طبيعية، فاتّجهت إلى الاستثمار في إنسانها ونجحت في ذلك أيّما نجاح.

ماكرون الذي يراقب الانحسار السريع لدور بلاده في مناطق نفوذها التقليدية بالقارّة الأفريقية يبدو محكوما في مقاربته للملف بالنتائج الكارثية لسلسلة من الأخطاء القاتلة التي ارتكبتها الحكومات الفرنسية المتعاقبة في أفريقيا

فَشَلُ حزب جبهة التحرير الوطني المتشبّث بالسلطة منذ ستّة عقود، والمجترّ لشعارات يختلط فيها القومي بالإسلاموي وهَجَرها صنّاعها الأصليون وتخلّت عنها البلدان التي كانت موطنها الأوّل، في قيادة تجربةِ حُكْم منتجة للثروة، بدل الاكتفاء بالعيش على ريع النفط، وصانعة لتطوّر المجتمع وضامنة لرفاهه ومتّجهة نحو المستقبل، جعل صانع القرار في الجزائر دائم الالتفات إلى الماضي واستدعاء “أمجاده” لحجب عيوب الحاضر والتغطية على العجز عن إنجاز “أمجاد” جديدة.

لا توجد أمّة بلا ماض وبلا أمجاد تكتسب مع مرور الزمن قيمة اعتبارية يمكن استخدامها كمحفّز على مزيد من العمل والجهد والإنجاز، لكن لا يمكن التوقّف عندها والعيش عليها إلى ما لا نهاية، فتتحوّل بذلك إلى عبء ثقيل وحاجز أمام التطوّر، وهو ما ينطبق على الجزائر في تعاطيها مع الحقبة الاستعمارية وملفاتها.

وبمنتهى الواقعيّة يمكن التساؤل عن مدى أهميّة “ملفّات الذاكرة” لدى جيل الشباب في الجزائر ذي الاهتمامات والاحتياجات والطموحات المستمّدة من واقعه وعصره والمختلفة جذريا عن اهتمامات وطموحات من سبقوه.

فما المتوّقع يا ترى أن تكون إجابة الغالبية العظمى من شباب الجزائر إذا طُلبت منهم المفاضلة بين أنّ تقدّم فرنسا اعتذارا لبلدهم عن الحقبة الاستعمارية، وأن تيسّر إجراءات منحهم تأشيرة الدخول إليها والإقامة على أراضيها؟

الإجابة الأبلغ عن هذا السؤال ماثلة في واقع الآلاف من الشبان الجزائريين الذين يخوضون كلّ سنة عباب البحر الأبيض المتوسّط على متن قوارب بدائية متهالكة أملا في الوصول إلى سواحل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، فيصل البعض منهم ويُقبض على البعض الآخر، وتنتهي أجساد آخرين في أحشاء أسماك المتوسّط وحيتانه.أما من الجانب الفرنسي فلا يقلّ تعاطي صانع القرار هناك مع ملفّ الذاكرة وخصوصا في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون، انتهازية عن تعاطي الشريك الجزائري مع الملفّ نفسه.

فماكرون الذي يراقب الانحسار السريع لدور بلاده في مناطق نفوذها التقليدية بالقارّة الأفريقية يبدو محكوما في مقاربته للملف بالنتائج الكارثية لسلسلة من الأخطاء القاتلة التي ارتكبتها الحكومات الفرنسية المتعاقبة في أفريقيا، وصولا إلى خطيئة الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي الكبرى في ليبيا، والتي جعلت قوات بلاده مهدّدة بالغرق في رمال مالي المجاورة، وقرّبت الشرارة من مناجم اليورانيوم في النيجر أكبر مصدر لهذا المعدن الثمين الذي يُستخدم وقودا لتوليد ثلاثة أرباع الاحتياجات الفرنسية من الطاقة الكهربائية.

لا توجد أمّة بلا ماض وبلا أمجاد تكتسب مع مرور الزمن قيمة اعتبارية يمكن استخدامها كمحفّز على مزيد من العمل والجهد والإنجاز، لكن لا يمكن التوقّف عندها والعيش عليها إلى ما لا نهاية

مختلف هذه الاعتبارات أفقدت ماكرون القدرة على الحسم في المطالب الجزائرية بخصوص الحقبة الاستعمارية، فلا هو يمتلك شجاعة غلق الباب وإقفال الملف، بالتالي إنهاء آماله في إعادة ترميم نفوذ بلاده في أفريقيا من البوابة الجزائرية، ولا هو يستطيع الاستجابة لمطالب الجزائر التي تعني الاعتراف بارتكاب بلاده جرائم استعمارية مضرّة بصورتها، وبالتالي تقديم هديّة انتخابية لليمين الصاعد بقوة بقيادة مارين لوبان والتي يقف وراءها جمهور عريض ما زال معظمه مؤمنا بشعار “الجزائر الفرنسية” ويعتبر توقيع معاهدة إيفيان التي أسست لاستقلال الجزائر جريمة تاريخية في حق الأمّة الفرنسية، فما بالك بموقف ذلك الجمهور من الاعتذار للجزائر والتعويض لها عن حقبة الاستعمار.

وأمام عجز الطرفين الجزائري والفرنسي عن الاتّفاق على صيغة معتدلة لتجاوز الماضي بمقاربة مستقبلية تؤسس لشراكة مفيدة عمليا، بدل التمادي في جدل أجوف حول قضايا اعتبارية أصبحت جزءا من التاريخ المليء بأحداث مشابهة لما حدث خلال حقبة استعمار فرنسا للجزائر، يفضّل الطرفان معا التمادي في اتّفاقهما الضمني والتلقائي على إبقاء ملّف الذاكرة مفتوحا واستثماره كلّ على طريقته، رغم ضحالة ما يتأتى منه لكلّ منهما.

8