فرنسوا بوفلوغ: عداء المتشددين للفنون تقوى مزيفة

يرى المؤرخ الفرنسي فرنسوا بوفلوغ أن من الأسباب التي تجعل المتشددين في عداء دائم مع الفن، اعتبارهم الوثنية خروجا عن الدين، وأن الفن المعارض للأفكار السائدة وقيم المجتمع، أمر غريب عنهم وجبت محاربته.
الأربعاء 2016/11/30
فيلم "السلام عليك يا مريم" أزعج المتشددين الكاثوليك

يحاول المؤرخ الفرنسي فرنسوا بوفلوغ فهم الأسباب التي تجعل المتشددين على عداء مع الفنون، ويشرح دوافعهم في الهجوم على ما يرون فيه مظاهر وثنية أو خروجا عن الدين.

ويقول فرنسوا بوفلوغ مفسرا الدافع المشترك لتدمير حركة طالبان لتماثيل بوذا في باميان في أفغانستان العام 2011، وتدمير حركة أنصار الدين للأضرحة في تمبكتو في مالي العام 2012، وتدمير تنظيم الدولة الإسلامية لآثار تدمر في سوريا العام الماضي، أن المتشددين حين ينظرون إلى شيء ما على أنه ينطوي على ازدراء أو على أنه محط عبادة، يتصرفون من موقع من يشعر بالإهانة.

ويضيف المؤرخ الفرنسي “تدمير الآثار لا يشكل أولوية إستراتيجية للجهاديين، لكنهم يفعلون ذلك ليقدموا أنفسهم على أنهم مسلمون أتقياء متمسكون بتعاليم القرآن، ورفض الوثنية هو اللازمة التي يكررونها، كما أنهم من جهة أخرى، يوجهون رسالة إلى الغرب وإلى كل من يحبون الفن لأجل الفن، بأنهم حماة الدين من كل ما هو مهين”.

فرنسوا بوفلوغ: تدمير الآثار لا يشكل أولوية استراتيجية للجهاديين

ويرى بوفلوغ أن المسيحية في بداياتها كانت خالية من التصوير، وظلت على مدى قرنين وفية للتقاليد اليهودية، موضحا “اليهود كانوا أقل استهدافا للصور والتماثيل لأنهم لم يكونوا في موقع السلطة كثيرا، أما الديانتان الأكثر عداء لها فكانتا الإسلام والمسيحية، ولا سيما ضد الأصنام الوثنية بالنسبة إلى الأخيرة”.

وفي تفسيره للأسباب التي جعلت المسيحية تنهل من الإبداع الفني في الكنائس والمتاحف، يقول “المسيحية بعد تلك الفترة تساهلت إزاء التحريم المذكور في الوصايا العشر، والقائل لا تصنع لك تمثالا ولا صورة مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض، لا تسجد لهن ولا تعبدهن”، ويضيف “فبما أن الله تجسد بصورة إنسان، فلا بأس إذن بتصويره”.

ومع ذلك، يعتبر بوفلوغ أنه رغم هذا التساهل النسبي الذي أبدته الكنيسة، إلاّ أن المتشددين الكاثوليك ظلوا رافضين وبعنف للأعمال الفنية، ويعود ذلك حسب رأيه إلى “رفعهم شعار التصدي للتجديف، لكن مفهوم التجديف أزيل تدريجيا من معظم قوانين البلدان الأوروبية”. وفي المقابل يستشهد المؤرخ الفرنسي بقوله “في فيلم ‘السلام عليك يا مريم’ لجان لوك غودار لم تكن هناك مبالغة فعلية في المشاهد، لكن هناك من أضرموا النار في السينما (في تور العام 1985)، رافعين شعار: لا تمسوا مريم، وفي العام 2011 تظاهر البعض في باريس أيضا ضد عرض فني حول تصوير وجه المسيح”.

ويعود هذا الرفض إلى الواجهة أحيانا على اعتبار أن الديانة المسيحية تفرض نوعا من التراتبية ينبغي احترامها في ما يتعلق بالصور، الإله الأب والمسيح في القمة، ثم العذراء والطفل يسوع بعد ذلك. وحول إمكانية استخدام الجماعات المتشددة الفن لتحوله إلى أداة دعاية لها، يرى بوفلوغ أن ذلك ممكن، لكنها في المقابل تستخدم في دعايتها الدينية أعمالا لا يمكن أن توصف بأنها ذات قيمة فنية.

ويقول “يجب أن ندرك أن وظيفة الفن الديني ليست المخالفة، بل التعليم وتوليد العاطفة والتذكير، وإن كان البعض يظن أن الدين يمكن أن يتماشى مع الاختلاف وأحيانا الاستفزاز، ولكن رغم كل هذا، فجل المسيحيين لا يبدون أي اهتمام بمعظم تيارات الفن المعاصر”. وفي المقابل، يؤكد المؤرخ الفرنسي بقوله “هذا الطرح يتعارض مع المسلمين المتشددين، فهم يرون أن الفن المعارض للأفكار السائدة، الذي يمكن أن يتقبله المجتمع، كتعبير عن الحرية والإبداع، هو أمر غريب عنهم”. ويختم “هم يقولون نريد أن نطبق الشريعة في كل العالم، من هنا تختلف دوافع التدمير الذي يرتكبونه عن تلك التي تحرك بعض الأشخاص في باريس للاعتراض على عمل مسرحي ما”.

16