فرنسيسكو غويا رسام الواقعية الساخر والناقد اللاذع

الاثنين 2014/02/10
لوحة "2 مايو"إدانة لآلة البطش الغازية

باريس – يذكر مؤرخو الفن أن فرنسيسكو خوسيه دي غويا إي لوثيانتس (1746 - 1828) كان نقاشا ورساما تقدميا طموحا، متفتحا على فلسفة الأنوار وشتى الأفكار التنويرية التي كانت تعج بها الساحة الفرنسية في القرن الثامن عشر، كما يذكرون أنه عاش متعطشا لاعتراف لم ينل من أسبابه إلا القليل، مسكونا في شعوره الوطني والإنساني بألم عميق من جرائر الحرب وويلاتها.

تأثر غويا في بداياته بروائع التشكيلات الملكية التي اكتشفها أثناء إقامته بمدريد، وخاصة جداريات تيوبولو. وبعد رحلة إلى روما، ثم بارما حيث فازت لوحة “حنبعل المنتصر” التي استوحاها من وجوده في مسرح بطولات القائد القرطاجني، وجلبت له حال عودته إلى أسبانيا عدة طلبات، خصوصا من كهنة بيلار، استطاع بفضل علاقات صهره فرنسيسكو بايو بالأعيان والنبلاء، أن ينجز نماذج زخرفية لزرابي العائلة المالكة، ونقش بعض أعمال فيلازكيز، ما لفت انتباه شارل الثالث الذي قربه وعيّنه رساما لبورتريهات أسياد البلاط، دون أن يمنعه ذلك من رسم بروتريهات وجوه من الطبقة الأرستقراطية.

نقد اجتماعي


برغم واقعية لوحاته في تلك الفترة، فإنها لا تخلو من نقد اجتماعي خفي، مارسه بتحفظ في البداية قبل أن يطلق لخياله العنان، غير عابئ بمحاكم التفتيش وتبعات أحكامها، فقد صور مجتمعه تصويرا يجمع بين السخرية والنقد اللاذع، سواء للسلطة الدينية ممثلة في الكنيسة وكهنتها، أو المؤسسة العسكرية واضطهادها لسكان القرى والأرياف، أو المجتمع الأسباني الذي تباع فيه الذمم وتشترى، ويستشري في أعطافه البغاء. ثم صارت استعاراته تتخذ شكل كوابيس، تصوّر سوداوية الحياة في مدريد، خصوصا بعد أن أصيب بالصمم عام 1792، حيث غدت لوحاته متجهمة متشائمة مسكونة بالقلق والكرب والخيبة، كما هو الشأن في لوحة “نوم العقل يوقظ الوحوش” ولوحة “زحل يلتهم أبناءه”.

ثم انتقل بعدها إلى مرحلة أخرى نذر خلالها ريشته لتخليد أكثر الأعمال بطولة في انتفاضة الشعوب ضدّ طاغية أوروبا، وإدانة آلة البطش الغازية، وأشهر أعماله في تلك الفترة “اثنان مايو” و”ثلاثة مايو” اللتان أنجزهما عام 1814، أي قبل سنة من هزيمة جيش نابليون في واترلو أمام جيوش ألمانيا وهولندا وأنكلترا بقيادة ولنغتن.

لم يفقد غويا مكانته كرسام للقصر إثر عودة فردناند السابع من المنفى واعتلائه سدّة الحكم، قاضيا بذلك على مشروع ملكية دستورية كان غويا من أنصارها.

غويا يعده مؤرخو الفن أحد مبتكري الحداثة بفضل الثيمات الجديدة التي ركز عليها، وفيها إدانة للسائد وتمرد عليه

ولكن لوحة “الماخا عارية” أثارت حفيظة محاكم التفتيش ضده، في وقت شهد إمعان الملك الجديد في تشدده، وإصابته هو بالمرض مرة أخرى، ما دفعه إلى التعبير عن خيباته وقلقه في جداريات “الرسوم السود”، وهي أشهر أعماله على الإطلاق، وقد أثث بها جدران بيت بإحدى ضواحي مدريد اشتراه عام 1819 وسمّاه “بيت الأصمّ”. ثم تعلل بالسفر طلبا للعلاج ليغادر هذا الوضع القابض عام 1824، ويستقر في مدينة بوردو، حيث سبقه إليها لفيف من الليبراليين الأسبان المتفرنسين afrancesados. وفي منفاه الفرنسي، أنجز مجموعة طباعة حجرية حول ثيران بوردو كرجع صدى لتجربته الأولى عام 1816 “مصارعة الثيران”. وظل يقيم بها حتى وافته المنية عام 1828.

“اختيار غويا شاهدا على العصر أمر بَديهي”، يقول مفوض معرض “الرسامون الشاهدون على عصرهم” -الذي تقيمه بيناكوتيكا باريس من 11 أكتوبر المنقضي وإلى غاية 16 مارس المقبل- مارك ريستلّيني: “نظرا للمرحلة التاريخية والسياسية التي هيأت له المناخ المناسب لإبراز نبوغه كرسام ونقّاش”. ويعني بذلك مكانته في بلاط الملك شارل الثالث، وآراءَه كفنان تقدّمي حول بعض القضايا العميقة التي تميزت بها تلك الفترة المضطربة. فغويا يعُدّه مؤرخو الفن أحد مبتكري الحداثة بفضل الثيمات الجديدة التي ركز عليها، وفيها إدانة للسائد وتمردٌ عليه، وكذلك بفضل معالجته الخطوطية والجمالية العنيفة التي بوّأته مكانة بارزة في تاريخ الفن.

تمهيد للرومانسية


“سلسلة النزوات” انتقد فيها غويا معاصريه بأسلوب ساخر، مسلطا الضوء على جشع الطبقة البرجوازية التي دأبت على كنز الخيرات والاستئثار بها، أو السلوك المنحرف لبعض فئات المجتمع، أو تهافت الكنيسة ورجال الدين، بل إنه لم يستثن حتى محاكم التفتيش وسطوتها. ثم كانت الحرب التي شنّها نابليون بونابرت عام 1808، وأدخلت البلاد في نزاعات خلفت دمارا وآثارا مريعة، فقد عالجها غويا في سلسلة “فظائع الحرب” برؤية فنية جديدة تخالف جماليات الفن التاريخي، حين كان الرسامون يميلون إلى تمجيد الحرب بوصفها عملا بطوليا، إذ صور العنف، بصرف النظر عن التوظيف السياسي والإيديولوجي، كعالم تتبدّى فيه الفظاعة عارية: تدمير البنى، تقتيل الرجال، تعنيف النساء، تشريد الأطفال.. ورغم انحيازه في النهاية إلى وطنه أسبانيا، فقد اكتفى بتخليد المقاومة الباسلة لقوات شعبية ضد جيش نظامي عتيد، مركزا على دور المرأة في التصدّي للعدوان، مصورا انسحاق الفرد أمام آلة تعذيب جهنمية سخّرها المعتدون لتحقيق مُثل سياسية مشبوهة، كما في سلسلة “فظائع الحرب”.

استفاد غويا من رمبرانت في تركيب الصورة لمنحها قوة مضافة، مستعملا تدرج الضوء في نوع من الإخراج الكاشف عن أهوال التاريخ. ما جعل الحرب في تصوره تتخذ شكلا جديدا من أشكال التعبير الخطوطي، أشدّ تأثيرا من الجداريات الكبرى لدى رموز الكلاسيكية الجديدة. وهو ما عدّه النقاد قطعا مع الأساليب الفنية السابقة، كان له الفضل في التمهيد للرومانسية، وظهور الفن التشكيلي المعاصر، فأعماله في رأيهم كانت مبشرة بطلائعيات القرن العشرين.

16