فرنسيس هوستر يستعير "طاعون" ألبير كامو لينتقد الفاشية والإرهاب

مرة أخرى يعود الممثل القدير فرنسيس هوستر إلى كاتبه المفضل ألبير كامو، وإلى روايته الأعمق “الطاعون”، وإلى مسرح ماتوران بباريس حيث عرض كامو عام 1944 مسرحيته “سوء تفاهم”، ليعود هوستر إلى نص كان أعده وأخرجه وقدمه في هذا المسرح بالذات عام 1989 وتنقل به في أنحاء فرنسا وخارجها بنجاح مذهل، نص فاقت عروضه الألف، وحاز عنه عدة جوائز.
الاثنين 2015/09/07
هوستر يفسح المجال لكامو كي ينطق عبره

أحداث رواية “الطاعون” لألبير كامو الشهيرة تدور في أربعينات القرن الماضي، ومسرحها وهران زمن الاحتلال الفرنسي. وتسرد وقائع الحياة اليومية عقب وباء ضرب المدينة وعزلها عن العالم الخارجي.

بدأ ذلك يوم اكتشف الدكتور ريو، أحد سكان وهران، جرذا ميتا في عمارته، قبل أن تكتسح الجرذان المدينة ويعم الطاعون. رواية تجمع بين الواقع والخيال، تعالج حدثا فاجعا يمكن أن يحل بأي مكان وفي أي زمان، فمحمولها استعارة عن الفاشية، إذ تنفذ إلى قلب شعب من الشعوب كما تنفذ الجرذان إلى مدينة لتنشر فيها وباء الطاعون.

ونص كامو ليس مخصوصا بمرحلة، فهو، وإن كان يتحدث عن أمراض مجتمع نهشته جرائر النازية، يتجاوزه ليلامس كل الأجيال والأجواء. فلكل مرحلة تأويلاتها عن الطاعون ونظائره، كما هي الحال في واقعنا العربي اليوم مع الظاهرة الداعشية المتوحشة.

والطاعون، كما يقول الناقد مورفان لوبيسك “هو نوع من المسرح انطوى عليه كتاب، فهو في رأيه ليس برواية، بل تراجيديا الموت تعبرها حركة ذات صبغة درامية، وما قام به هوستر هو تحريره”.

ذلك أن فرنسيس هوستر المخرج والممثل في المسرحية المستوحاة من الرواية، لم يقم بتهيئة الرواية مسرحيا كما جرت العادة مع بعض الروايات الكبرى، بل أخذ الجوهر وأهمل الباقي، ليقول “الطاعون” بنبرة النص وإيقاعه ومعانيه.

فهو لا يؤدي دورا، بل يكتفي بالقول، وحيدا دون كومبارس، ودون اللجوء إلى إكسسوارات أو تقنيات ركحية زائدة. غاية ما هناك ديكور ينزّل الأحداث في بيئتها: نخل باسق، جدران محطة مترو أطلق عليها اسم ألبير كامو، لافتة ضخمة لشركة ملاحة بجانب إشهار عطور، غرافيتي “أو. آ. أس″ (منظمة الجيش السري) للجزائر الفرنسية.

وعن بعد، خلف باب زجاجي تلوح لافتة قديمة تعلن عن مباراة في الملاكمة بطلها مارسيل سردان، تلك مدينة وهران في أربعينات القرن الماضي.

هوستر يهمل في المسرحية وصف المشاهد الطريفة التي تنقل سمات مدينة وهران وأهلها وألوانها وروائحها في الأربعينات

يبدأ العرض بدخول هوستر في هيئة كامو، مرتديا معطف “ترانش” وبيده محفظة من الجلد وكتاب كان نشره عام 1947 بدار “غاليمار”. يضع المحفظة ويخلع المعطف ليظهر في بدلة غامقة، ويتوجه إلى القاعة ليسرد للجمهور وقائع ما جرى في مدينة وهران ذات صباح من شهر أبريل ويُنطق كل شخصيات الرواية، في نبرة دقيقة خفيفة مسترسلة.

ما أهمله هوستر هو وصف المشاهد الطريفة التي تنقل سمات مدينة وأهلها وألوانها وروائحها، فاهتمامه كان مركزا على الإصرار حدّ العناد واحترام الذات والآخر وتلك المعاني العميقة التي تدفع بعض الرجال، إذ يقعون في فخ العبثية واللامعقول، إلى خوض معركة لا يرجون منها مجدا، معركة ليس لإسعاف المصابين وإنقاذ حياتهم فقط، وإنما أيضا لتطهير أرواحهم هم أنفسهم من الطاعون.

هي معركة رمزية دون شك، وفضل هوستر أنه تجنب معالجتها من جهة الأدب الملتزم المدافع عن قضايا الإنسان ومشكلاته، واكتفى بالوفاء للنسيج السردي الذي صاغه كامو، دون أن يضيف إشارات أو إحالات أو تعاليق.

لم يتخل هوستر عن هويته ولا عن طبعه، بل كان يفسح المجال لكامو كي ينطق عبره، ليعطي روايته نفس الشحنة العاطفية التي تضمنتها أغنية سيرج ريجاني “الذئاب دخلت إلى باريس″ عند اقتحام النازيين عاصمة الأنوار. وهو ما جعل عمله يتسم ببساطة محببة، وجدت صداها لدى الجمهور في كل عرض، فالمتفرجون يحيونه في نهاية العرض وقوفا حيثما حلّ.

يحسب لفرنسيس هوستر أيضا أنه وفق في أن يَحل في إهاب الدكتور ريو وفي إهاب ما يقارب ثلاثين شخصية من شخصيات الرواية، ولكن دوره الأول كان تلبسه بالكتاب، فقد تقمص في الواقع كتابة كامو ونصه وأسلوبه.

فلم يتبدّ كممثل يقرأ نصا، على غرار فابريس لوتشيني في تعامله مع رامبو وبول فاليري وموليير وفلوبير وسيلين ولافونتين وآخرين، بل كفنان قادر على أن يهب الشخوص حياة ويجسد الكتابة كأبلغ ما يكون التجسيد. فلا شيء من فكر كامو يضيع في الركح، طوال ما يزيد عن الساعة، حتى أن بعض النقاد وصفه بكونه “مداد كامو”. لم تفقد ثيمة “الطاعون” أهميتها بتقادم الزمن، فالشر كامن كمون النار في الحجر، ولا أحد منه في مأمن.

وحسبنا أن نقرأ ما ورد في خاتمة الرواية: “كان ريو يتذكر أن هذا الاستبشار لا يزال مهددا. لأنه يعرف أن هذه الجموع الفرحانة تجهل، وهذا يمكن قراءته في الكتب، أن بكتيريا الطاعون لا تموت ولا تزول أبدا، وأنها يمكن أن تبقى عشرات السنين نائمة في قطع الأثاث والغسيل، تنتظر بطول أناة في الغرف والأقبية وصناديق الأمتعة والمناديل والورق، وقد يجيء يوم، لبلية البشر وعبرتهم، يوقظ فيه الطاعون جرذانه ويرسلهم كي يموتوا في مدينة هانئة”.

16