فرنسيون مسلمون أم إسلاميون متفرنسون

فرنسة الإسلام أم أسلمة فرنسا، سؤال أصبح عبثيا ولا طائل من ورائه، وذلك على ضوء البحث عن معادلة شبه مستحيلة يحاول أئمة ورجال دين ليبراليون من مسلمي فرنسا إيجادها وقد تناسى الكثير منهم ما فعله التغلغل الإخواني داخل الوسط المسلم مدة عقود من الزمن، هذا بالإضافة إلى التشكيك في صحة وحقيقة تفاعل العقيدة الإسلامية مع هوية فرنسا الثقافية ومبادئها العلمانية.
الأربعاء 2017/09/06
العلمانية الفرنسية يجب أن تكون طريقا واحدة وسالكة

لا يمكن نكران وجود مبادرات رسمية وفردية تحاول أن تجذّر الإسلام في فرنسا من الناحيتين، التنظيمية والفكرية، بغية إعطائه نكهة فرنسية حتى وإن بقي ذلك محتشما.

فمن ناحية التنظيم، وبغض النظر عن الأهداف السياسية لكل من اليسار واليمين، بذلت السلطات الفرنسية جهودا معتبرة بغية الوصول إلى ظهور إسلام فرنسي وأولها تكوين رجال دين مسلمين من البلد وإنشاء تخصصات في الجامعات الفرنسية ومعاهد خاصة لتكوينهم الديني ليكون متوائما مع قيم المجتمع الفرنسي وعلى الخصوص علمانيته.

كما عملت على إيجاد هيئة تمثيلية للمسلمين في فرنسا لقطع الطريق على كل من ينصّب نفسه متحدثا باسم المسلمين الفرنسيين ولوضع حد للمناهج المقررة في تلك المعاهد الإسلامية الخاصة الممولة من طرف بلدان أجنبية. وقد أصبح مقلقا أن يكون أغلبية الأئمة الذين ينشطون في مساجد فرنسا من الأجانب وأغلبهم لا يتحدثون لغة البلد الذي يعيشون فيه ويجهلون تاريخه الثقافي والسياسي.

ومن الناحية الفكرية، حاول بعض المفكرين المسلمين الذين يعيشون في فرنسا تقديم قراءات جديدة لتعاليم دينهم بما يتناسب مع الحياة في هذا البلد. ومن بين هؤلاء إمام مسجد بوردو طارق أوبرو، وهو من القلائل الذين يمثلون الجناح الليبرالي في اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا والذي اشتهر بما يطلق عليه “فقه الأقلية” كطريق للتكيف مع الثقافة الأوروبية. ولكن تساءل الكثير من نقاده عما سيقترحه الإمام أوبرو عندما يصبح الإسلام أغلبية في أوروبا مثلا.

وقد ذهب البعض إلى القول بأن “فقه الأقلية” الذي ينادي به الإمام ما هو سوى تطبيق لمبدأ إسلامي قديم وهو “دار الصلح” حيث ينبغي قبول التعايش حينما لا يسمح تكافؤ القوي إخضاع “دار الحرب”. ولكن هل يمكن اتهام شخص مثل الإمام أوبرو بالتقية وهو الذي أكد مرارا عبر وسائل إعلام كثيرة أن أهم شيء في الإسلام هو الإيمان وأن الباطن هو كل شيء.

المسلمون الفرنسيون، كيف يكيفون مبادئ ما يسمى شريعة إسلامية بما يتناسب مع ثقافتهم القانونية على وجه الخصوص؟

وينظر أوبرو إلى الإسلام نظرة روحانية إذ يقول إن في القرآن 6236 آية، نجد 150 منها فقط تعالج القانون والعبادات. وهو شيء قليل مقارنة بالحجم الباقي العظيم الذي اهتم بالميتافيزيقا. كما يرى بعدم إطلاقية كل شيء في القرآن ويدعو الإمام المفكر إلى طرح الأسئلة التي لم تطرح بعد والمتعلقة ببعض المناطق التي لم تستغل بعد ولم تُطور في القرآن: كيف يمكن إدخال الآخر، غير المسلم في الفقه؟ كيف يمكن أن يكون وضع غير المسلم؟ وما هي نتائج ذلك من الناحية الأخلاقية؟

ويمكن في هذا الإطار ذكر مفكر إسلامي آخر هو صهيب بن شيخ وقد دافع عن فكرة توافق الإسلام والعلمانية في أطروحته الجامعية التي نشرت في كتاب تحت عنوان “ماريان والرسول.. الإسلام في فرنسا العلمانية”، لكن تبقى المحاولات الرامية إلى تكييف الإسلام مع الحداثة الفرنسية مرتبكة ولم تستطع الوصول إلى عدد كبير من مسلمي فرنسا بسبب احتلال المكان من طرف جماعة الإخوان المسلمين التي تغلغلت بين مسلمي فرنسا منذ أكثر من أربعين سنة، وهو ما يبدو جليا في أول انتخابات حرة في تونس حيث فازت حركة النهضة بأغلبية المقاعد المخصصة للتونسيين في فرنسا علما بأن أغلبية هؤلاء يحملون الجنسية الفرنسية أيضا.

ويمثل الإخوان المسلمون اليوم في فرنسا “اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا” والذي تأسس سنة 1983 والمسيطر على أغلبية المساجد في فرنسا والمصنف من طرف دولة الإمارات ضمن المنظمات الإرهابية، وقد وجهت المناضلة ليديا غيروس، ذات الأصول الجزائرية والناطقة الرسمية السابقة لحزب نيكولا ساركوزي، رسالة مفتوحة إلى وزير الداخلية الفرنسي السابق مانويل فالس، طالبته فيها بمنع هذا التنظيم الإخواني من النشاط باعتباره شبه حزب يساهم في نشر الفكر المتطرف لدى الشباب الفرنسي من ذوي الأصول الإسلامية.

وهو الشيء الذي يؤكده قيادي سابق في هذا التنظيم محمد لويزي في كتاب/شهادة صدر أخيرا تحت عنوان “لماذا غادرت الإخوان المسلمين، عودة مضيئة إلى إسلام لا سياسي”، ولا يتردد الإخواني الفرنسي السابق في القول لجريدة لوفيغارو الفرنسية إن الاختلاف بين الإخوان والمتطرفين الآخرين هو اختلاف في درجة التطرف وليس في طريقة التفكير، ويضيف شارحا “إن نظرنا إلى رسائل حسن البنا المتعلقة بالجهاد مثلا والتي تعد القاعدة الأساسية لتكوين الإخوان في فرنسا أو غيرها من الدول، لأدركنا حجم التطابق بين ما يُبشر به حسن البنا، والمكون الأيديولوجي الأساسي اليوم لدى داعش أو القاعدة. هي نفس النصوص العنيفة، نفس المصطلحات التي تنتهي باللجوء إلى العنف والإرهاب والدم”.

هل يمكن للإسلام أن يصبح فرنسيا وأهله يقرؤونه على أنه ليس دينا فحسب وإنما هو قانون وأخلاق وتنظيم اجتماعي وسياسي؟

وبسبب الفشل المستمر منذ أكثر من 8 عقود في السيطرة على العالم العربي وضع الإخوان كل جهودهم من أجل بسط هيمنتهم على أوروبا وتأصيل كيانهم باستقطاب أجيال من أبناء الهجرة أو من الأوروبيين أنفسهم، وذلك في إطار خطة الخلايا ثم المجتمع والحكومة وغيرها وهو ما يجعل أوروبا في نهاية المطاف قابلة للضم إلى الدولة الإسلامية المنتظرة.

لا يمكن أيضا أن نغفل الدور المؤثر الذي لعبه في فرنسا حفيد حسن البنا، طارق رمضان في نشر فكر ديني عن طريق الكتيبات والتسجيلات والمحاضرات، ففي كتابه “المسلمون في العلمانية، مسؤوليات وحقوق المسلمين في المجتمعات الغربية”، لم يفعل طارق رمضان سوى تأكيد مقولة قديمة هي أن الإسلام ليس عقيدة فقط وإنما هو دين ودنيا.

فهل يمكن للإسلام أن يصبح فرنسيا وأهله يقرؤونه على أنه ليس دينا فحسب وإنما هو قانون وأخلاق وتنظيم اجتماعي وسياسي؟ إذا كان من الصعب الحديث اليوم عن إسلام فرنسي، ألا يحق لنا أن نسأل سؤالا آخر مكملا له ألا وهو: هل يمكن أن يوجد إسلام فرنسي؟ ويمكن تفكيك السؤال وتحويله إلى منطوق آخر: هل يستطيع الإسلام الموجود في فرنسا أن يتحول إلى إسلام من فرنسا؟ من إسلام مستورد إلى إسلام محلي؟ وإذا أردنا تفكيك المسألة أكثر ينبغي أن نتساءل عن مشاكل الاندماج ليست فقط المتعلقة بالمسلمين كأفراد ولكن كمبادئ أيضا، بمعنى التساؤل عن منظومة القيم الإسلامية التي يتشكل على أساسها نظام الحياة كله لدى المسلمين.

بكلمات أخرى هل يتوافق الإسلام، كما هو مفهوم ومقروء اليوم، ويمكن أن يعيش بسلام وسط المجتمع الفرنسي؟ هل يمكن لهذا الدين أن يجد له مكانا في هذه الحضارة دون تغيير في طبيعته، في صورته المنتشرة في وسائل الإعلام الغربية على الأقل، أن يكيف معتنقوه الفرنسيون مبادئ ما يسمى شريعة إسلامية بما يتناسب مع ثقافتهم القانونية على وجه الخصوص؟

وهو السؤال الذي طالما حاول تجنبه الكثير من المفكرين المسلمين وغير المسلمين، لأسباب مختلفة أهمها الخوف من تهمة الإسلاموفوبيا التي أصبحت سيف ديمقريطس المعلق فوق رأس كل من يحاول التعمق في مسألة “الإسلام والحضارة الغربية” وهي مسألة شائكة إذ ينبغي على المسلمين أنفسهم، إيجاد تلاؤم بين معتقداتهم والثقافة التي يعيشون في كنفها.

المسلمون مطالبون ومضطرون لأن يتبنوا ترتيبات وسلوكيات قد تكون حتما جديدة على الأحكام والقواعد الإسلامية السائدة.

ولئن كان من الممكن أن يمتثل المسلمون كأفراد وبشكل شخصي إلى متطلبات الانسجام والانخراط في المجمع الفرنسي وهو ما يفعله الكثير منهم عن طيب خاطر، فهل من الممكن أن تنخرط المنظومة الإسلامية برمتها، من جمعيات واتحادات ومجالس وغيرها في مسعى كهذا وتتنكر لما يسمى في عرفها “شريعة إسلامية” أو “هوية إسلامية”؟

13