فرنسيون ينقذون كهفا فنيا من الغرق بنموذج مقلد عنه

كهف بفرنسا يقع تحت الماء يحتوي على رسومات غرافيتي يرجع تاريخها إلى العصر الحجري تعد كنزا فنيا ممهدا بأن تبتلعه مياه البحر بالكامل.
الاثنين 2021/04/19
نموذج مقلد

مارسيليا (فرنسا)- يعمل الخبراء على إعداد نموذج مقلد بالضبط للكهف الوحيد في العالم الذي يقع تحت الماء، والمزود برسومات على جدرانه الصخرية، ومن المقرر افتتاحه العام المقبل.

وقال جيليس توسيلو المتخصص في فنون عصور ما قبل التاريخ إنه وأعضاء فريقه يسارعون في إعداد هذا النموذج مع ازدياد المخاوف بأنه بحلول نهاية القرن 21 من المرجح أن تبتلع المياه هذا الكنز بكامله.

وكان هنري كوسكيه توصل منذ أكثر من 35 عاما لهذا الاكتشاف، ففي عام 1985 اكتشف هذا الغطاس المحترف الكهف الوحيد المعروف الذي يقع تحت الماء في العالم، والكائن بالقرب من ساحل مدينة مارسيليا الفرنسية.

وتغطي جدران الكهف الغارق في المياه، رسومات لطيور البحر العملاقة، والتي تعرف بصورة أفضل بأنها من أسلاف البطريق، وانقرضت في القرن التاسع عشر، ويقدر الخبراء عمر هذه الرسومات بأكثر من 25 ألف عام.

الخبراء يقدرون عمر الرسومات بأكثر من 25 ألف عام

ويقع مدخل كهف كروسكي الذي يحمل اسم مكتشفه، على مسافة 37 مترا تحت مستوى سطح البحر المتوسط بين مارسيليا وبلدة كاسي، وتم في عام 2015 وضع باب من الصلب يزن 800 كيلوغرام، لحماية العلامات والرسومات التي يبلغ عددها 500 والموجودة على جدران الكهف، ويرجع تاريخها إلى العصر الحجري.

وأكد توسيلو أن هذه الأعمال تعد كنزا فنيا ممهدا بأن تبتلعه المياه بالكامل، موضحا أنه في عصر “الكرو ماجنون” أو أوائل البشر الذين استطونوا القارة الأوروبية، كان الكهف يقع على مسافة 120 مترا فوق مستوى سطح البحر، وعلى مسافة 15 كيلومترا من الساحل، ولكن بسبب ارتفاع درجة الحرارة على كوكب الأرض وذوبان الكتل الجليدية، ارتفع منسوب المياه ليغرق الكهف بعد نهاية العصر الجليدي الأخير أي منذ نحو عشرة آلاف عام، واليوم أصبحت ثلاثة أرباع مساحة الكهف تغمرها المياه.

وتتضمن رسومات “الغرافيتي التي يرجع تاريخها إلى العصر الحجري”، منحوتات ومجسمات لطيور البحر ورسومات لسباع البحر والخيول والثيران والماشية والوعول وأكثر من 60 من نماذج الرسوم اليدوية.

وكان طبع الأيدي على الجدران من الأمور الشائعة في فنون العصر الحجري، غير أنه من الأمور غير المعتادة في كهف كروسكي أن نحو ثلثي الأيدي المطبوعة مفقودة الأصابع.

ومن المسائل الغريبة الأخرى هو وجود رسم لرجل اخترقه سهم، وأطلق عليه الخبيران الأثريان جان كورتان وجان كلوتس “رجل مقتول”.

وكان كورتان هو أول من فحص الكهف بعد اكتشافه، وفي مقابلة إعلامية وصف الكيفية التي غطس بها ليصل إلى النفق الذي يبلغ طوله 175 مترا ويؤدي إلى مدخل الكهف عام 1991، يرافقه غطاسون من الجيش الفرنسي، ونشر الباحثان أول فهرس لمحتوياته عام 1994.

وتمكن الخبيران الأثريان جان كورتان وجان كلوتس باستخدام وسيلة الكشف عن عمر المواد الكربونية، من إثبات أن المنحوتات والرسومات على جدران الكهف يرجع تاريخها إلى 27 ألف عام، وبالنسبة إليهما يعد الكهف واحدا من أكثر كهوف العصر الحجري تأصيلا يتم اكتشافه.

وأجرى كلوتس المتخصص في فنون ورسومات عصور ما قبل التاريخ، بحثا في كهف شوفيه الأصلي الشهير، الذي تم اكتشافه عام 1994، بالقرب من بلدة مونتيلمار بمنطقة أردشيه بالجنوب الفرنسي.

يبلغ عدد الرسومات الموجودة على جدران الكهف 500 رسمة

وترأس كلوتس في وقت لاحق فريقا من المستشارين العلميين، لتصميم نموذج مقلد لكهف شوفيه ومن بينهم توسيلو، وتم افتتاح النموذج في أبريل 2015.

وثبت الآن أن هذه الخبرة ذات قيمة عالية، لأنه بعكس كهف شوفيه الذي تم السماح له بالنزول إليه، فإن كلوتس لم يستطع على الإطلاق أن يزور كهف كروسكي الذي يشكل خطورة بالغة.

وفي عام 1991 فارق ثلاثة رجال الحياة، وهم يحاولون الوصول إلى الكهف الغارق تحت المياه عبر النفق الضيق، وأجبر الحادث كروسكي على أن يبلغ السلطات بوجود الكهف الذي اكتشف عام 1985، وذلك لمنع وقوع المزيد من الكوارث.

وأكد توسيلو أن عدم القدرة على رؤية الكهف الأصلي أمر يثير الإحباط. ويحاول الاعتماد على خبراته التي اكتسبها مع كهف شوفيه، وعلى الكتب التي دونها كلوتس وكورتان وصور الرسومات، لكي يضع نموذجا مقلدا لكهف كروسكي.

وسيقوم توسيلو مع فريقه بإعادة إنشاء القطع الفنية المرسومة على جدران الكهف بدقة بالغة.

ومن المقرر استكمال العمل في النموذج المقلد عام 2022، وسيتم عرضه في فيلا ميدترانييه بمرسيليا، وهو أحد المباني الجديدة بهذه المدينة التي اختيرت عاصمة للثقافة الأوروبية عام 2013، وسيتم وضع النموذج الرائع بجوار متحف الحضارة الذي لا يقل جلالا، ويشبه منصة للقفز للبحر، ونصف المبنى تقريبا الذي بلغت تكلفته 82 مليون دولار يقع تحت الماء.

24