فرود باقي.. حارس الذاكرة الملتهبة للمكان

الفنان العراقي يخلّد عراقة السليمانية بريشة تمتزج فيها البيئة بالجمال.
الجمعة 2021/07/30
المكان دون ذاكرة يستحيل إلى خراب

لم تكن الدراسة وحدها ما جعلت الفنان العراقي فرود باقي، ابن مدينة السليمانية، ينفرد بأعماله الفنیة التي استمدها من روح المكان، بل لعبت ذكریاته في المدینة التي عاش فیها دورا في حبه لها، فاستطاع أن يرسّخ بفكره ضرورة التشبّث بالجذور مستعملا الألوان التي تتناغم مع روح المكان إیقاعا وهویة وذاكرة.

غريب ملا زلال

 فرود باقي فنان تشكيلي من كردستان العراق، وابن مدينة السليمانية، فيها ولد عام 1973 حتى باتت ذاكرته التي تختزل شهيقه وزفيره في المظهر الخاص التي تكون عليه الأشياء بحالة كلية من وحدة العاطفة بينها وبين المرء كإنسان قادر على إبراز اللون الحقيقي لتلك الأشياء مهما كانت قريبة من الوهم، ومهما كانت الحواس مدركة لها بمعيار عاطفة خاصة يُعتمد عليها في كشف الجمال بتعبيراتها المختلفة التي تصدرها إلى العين الفاحصة الواعية والغارقة في الكيفيات لإحداث الأثر المرجو.

فيها شعر بعاطفة الجمال المناسبة وبحساسية خاصة وبانفعالات رقيقة ومرهفة، فيها تذوّق كل الأحداث والمواقف بمذاقات ممتازة ومعتقة، طفيفة تشبه الضحك حتى النهاية، وكثيفة تشبه الأطعمة الحلوة المرة، وبعواطف خارجية أو داخلية.

بين الخارج والداخل   

لوحات ضد النسيان
لوحات ضد النسيان

فرود باقي حاله لا يشبه حال أغلب الفنانين التشكيليين الآخرين، ولا يلازم ما يلازمونه هم، فله عمليته الإبداعية الخاصة المستنبطة من جمال المكان، فهاجسه أن تبقى ملامح مدينته محافظة على روحها وتفاصيلها، أن تقوم الديمومة بين الصورة الحيّة (الخارج) وبين الجوهر النابض (الداخل).

أحلامه تكاد تختصر في هذا المكان منطلقا من إدراكه أن الحرص على ذاكرة المكان هو الحرص على الذات الإبداعية فيه، والتي تحتمي بروح خاصة، وهو متيقن من أن المكان دون ذاكرة خراب على خراب، والذاكرة دون مكان كتلة نقاء لا إدهاش فيها.

وهو في ذلك يهيمن على الاتجاه الذي يمضي به نحو الاتجاهات الأخرى الأقرب إلى عوالم لها المكانة العليا في تصويراته الغارقة في الإدهاش، يمضي به نحو شبكة من الوحدات المعرفية النشطة المستمدة من دراساته الكثيرة عن المعالم المميزة لمدركاته الجمالية.

هناك اتفاق ضمني بين مثيراته الإدراكية التي تشكل الأساس المنطقي لجمالياته وبين الواجهات المعمارية بما تحمله من متعة جمالية تذهب إلى مستوى أعلى كتمثيل الأنموذجي وما يهتم به من معنى بعيدا عن التعرّض للتكرار أو بعيدا عن السقوط فيه.

فرود باقي: جسّدت السليمانية في لوحاتي كي تبقى خالدة کما هي في ذاکرتي
فرود باقي: جسّدت السليمانية في لوحاتي كي تبقى خالدة کما هي في ذاکرتي

وهذا ما يؤدي إلى انبثاق حساسية جمالية من إتقانه لقواعد لغته ورموزها الأخرى الكثيرة، فهو يعرف أن معرفة ذلك أمر ضروري ولهذا يتحرّك تدريجيا بالصعود أو بالهبوط تبعا لقربه أو بعده من الضوابط التي فرضها على نفسه، تلك الضوابط التي زادت منسوب الحرية التي يشعر بها وهو يميل إلى تفضيلها أو إخضاعها لاختياراته الصارمة على أقل تقدير.

إن وصف أسلوب باقي وما يلعب فيه من الدهشة والفضول يحملنا إلى انطباعات ملتقطة من الجوهر وما يسمح لعينيه بالتعاطف معها وتقمّصها، فالأمر عنده ليس إيهاما ممتعا وخيالا يوشك أن يكون كاملا فحسب، بل إيهام قد ينذر بالخطر القادم على المكان، فالمشاهدات التي يقدّمها تؤرّخ حتما وتتحوّل إلى ذاكرة هذا المكان الملتهبة، فهو يلاحظ ويقدّم ملاحظاته في شكل أعمال فنية وهذا أقل ما يمكن أن يفعله مبدع ما فيه من الحس الوطني والاجتماعي ما يوازي الحس الجمالي في أعماله.

وهذا يضعه في قائمة الذين يدقون ناقوس الخطر تنبيهًا إلى ضرورة الحرص والحفاظ على ذاكرة المدينة وتنشيطها قدر المستطاع وبدرجة عالية من الحرية والمسؤولية.

وعن ذلك يقول “ولدت في السلیمانیة ونشأت فیها، وذکریات طفولتي تتركّز في أزقتها، هذا ما جعلني أسلك هذا الطريق في الرسم لأجسدها وتبقى خالدة کما هي محفورة في ذاكرتي”.

وعوضا عن تهديمها لتمضي إلى صورة أو لوحة تشكيلية یطالب باقي الجهات المختصة بالاحتفاظ بهذە المباني لأنها تشكّل وتجسّد عراقة الفن المعماري القدیم.

ويشعر الناظر إلى لوحات باقي بمتعة عميقة ومركّبة، متعة يبحث عنها مكتشفا دلالاتها بمفرداتها غير المحايدة، إنه شعور بالاندماج والمغادرة معا، شعور يتلذّذ بالأشياء المسكونة بالأحياء وما يرتبط بمفاهيمه لمحاكاته بمنطق يساعده على المتابعة والتفسير، دون أن يراوده أي خوف ممّا قد ينتظره.

هو شعور يحدث على نحو تدريجي ويمكّنه من التواصل معها بما يبذله من جهد في تقديم تفسيرات مقنعة لذاته، وتقديم التنبؤات الخاصة بالمحتويات والأساليب المتوقعة، وقد يستمد منها أساس الحاجة إلى ذلك التواصل.

عبق الأولين

Thumbnail

أعمال باقي تؤرّخ المكان، وهو من الجيل الذي يعتمد في إنتاج العمل الفني على نفسه أولا وأخيرا، فهذا الإنتاج المثمر يصبح مألوفا لدى الفنان لأن القيمة المؤثرة الخاصة بالمثير الجمالي لديه هي في حالة الاستجابة المستديمة، لا يفقد تأثيره فيه وعليه.

مجمل أعمال باقي دالة على القيمة المعطاة للجدّة من خلال نظام منتجه، وبطرائق باتت أقرب إليه من أي فنان آخر، فهو يرسم بحماس وعشق وكأنه يؤلّف مقطوعة موسيقية عليها أن تحافظ على إيقاعاتها التراثية والمكانية والبيئية.

وعلى نحو مختصر يمكننا القول إن الفنان لا يقفز في الهواء، بل يحقّق قفزة موفقة على درجة كبيرة من الأداء الخاص الذي يكون عاشقا له، فالدور الذي يلعبه ويقوم به بفرح دائم قائم على أساس من المنطق من جهة وحب المكان وما ينوطه به من مسؤولية من جهة ثانية.

وهذا ما جعل مشروعه الجمالي يلتقي مع مشروعه البيئي القائم على الحفاظ على العمارة القديمة وتركها تتنفّس بعبق الأولين، وجعلها كنوزا للمدينة وأهلها لا يحق لأحد أن يفرّط فيها، تلك الكنوز التي آن لها أن تكرّس من أجل الإنسان، وذلك كي تكون حياته أكثر إنسانية وبالتالي أكثر جمالا.

والاهتمام بخصائص المكان الشكلية يأتي من خلال الاهتمام بالعلاقة التفاعلية بين الإنسان والمكان، وما ينتج عن ذلك من خصائص التوالد في إطار المعرفة الجمالية المرتبطة بتزايد الاهتمام بنوعية الحياة والرفع من مستواها، وعلى أساس من التفاعل المشترك بين الإنسان كفرد وبين المكان كبيئة، حيث يندمج أحدهما في الآخر في حالة من المشاهدات المتداخلة وإن ظهرت تباينات عدة سواء كان ذلك في احتياج كل منهما إلى تركيب خاص أو تمّ من إدراكهما للحركات الارتقائية الأكثر هدوءاً في مسارات بصرية موجودة فيهما، فالإحساس الشديد بدور الذات المؤثرة في إبعاد ما يفسد المشاهد البصرية هو الأكثر فاعلية في رؤية التدخل الإنساني.

فرود باقي لا يزال يؤكّد من خلال لوحاته الجمالية/ البيئية أن المنحى المعرفي، مع الجانب الانفعالي في الخبرة الفنية، له دور فعّال في تنشيط مهاراته الإبداعية أولا، وفي تنشيط مهارة القراءة لدى متلقيه ثانيا.

17