فروض رمضان.. وفروض الفضائيات العربية!

الخميس 2017/06/22

مثلما تشهد مناطق الحروب والصراع فوضى الدمار والموت، تشهد بالمقابل الفضائيات العربية حروبا من نوع جديد، هي حروب النجوم والتأليف والمال والتجارة والإعلانات التجارية، وفوضى الدراما التلفزيونية، وبرامج الإثارة والترفيه، لتشكل نظاما إعلاميا رمضانيا ثابتا كل عام، أصبح فرضا مثل حال فروض رمضان.

وكل عام تزداد أعداد المسلسلات والتكاليف المادية، وبالتالي يزداد الإسفاف والابتذال والانحراف. وأصبح رمضان في حس الأجيال الجديدة هو شهر المسلسلات، وتغير اسم شهر رمضان في الصحف والإعلام من موسم الطاعة والعبادة إلى موسم الدراما التلفزيونية.

إن ما يعرض من تضليل للحقائق ومبالغة وإفساد في المضمون وبعد عن الحلول والمعالجة، وما تتضمنه المشاهد من هراء واستهزاء وتجاهل للقيم، يجعلنا جبهة وسائل إعلامية مصنوعة عمدا لنشر الجريمة وتسويق الرعب وتشويه سمعة الأوطان وغسيل أدمغة موجه باحترافية إلى كل الشرائح بطرق خفية ومدروسة.

حرصت الفضائيات هذا العام على الإعلان عن برامجها الرمضانية منذ وقت مبكر. وتضم تلك البرامج مجموعة من الأعمال الدرامية العربية المتنوعة، ويلاحظ وجود حضور مكثف للدراما الخليجية وتنوع بين القضايا الاجتماعية والتاريخية والسياسية، لكن تأخذ الدراما الاجتماعية المساحة الأكبر، بينما لا تحظى الجوانب التاريخية إلا بإشارات خفيفة، وتتنافس الأعمال المصرية والخليجية والسورية على خطف كعكة رمضان من خلال المفاجآت التي تقدمها، وتحتوي المسلسلات الرمضانية على الكثير من اللونيات الجديدة والتنوع، وملامسة قضايا الواقع الاجتماعي، ولكن المعالجات وأساليب الطرح تبدو في الكثير منها سطحية، بطريقة قد تصل إلى حد السذاجة والابتذال وعدم احترام عقلية المتلقي وحاجاته الإنسانية.

فالبرامج السياسية مصرة على إثارة الأحقاد والعنف والفتن، رغم رمزية رمضان الذي عنوانه التسامح والمحبة، ومع ذلك تصر هذه البرامج على إثارة غرائز الكراهية بين المكونات والطوائف والقوميات، بل إن بعض القنوات الدينية تجعل من الجهاد في رمضان فرصة لقتل الآخر، وانتزاع حقوقه الإنسانية وفرصة لنبش التاريخ وتزييفه وزرع العداوة، بحجة قدسية هذا الشهر، وامتيازاته الجهادية.

أما الدراما التلفزيونية في رمضان فهي قصة أخرى لا تختلف أهدافها عما يعرض من برامج تلفزيونية إلا أنها أكثر تأثيرا على المتلقي وبالذات الشباب والنساء. فهناك تقاليد مشاهدة خاطئة تراكمت بفعل عوامل كثيرة، اجتماعية ودينية وثقافية، ولكنها على العموم تؤشر إلى ثقافة المؤسسة الإعلامية وعلى ثقافة الجمهور والحياة النمطية السالبة التي تجعل الجميع يهرب إلى الواقع الذي يجد فيه متنفسا، للتعبير عن ذاته ورغبته المكبوتة.

فالأمر يزداد خطورة إذا عرفنا الأموال الطائلة التي تنفق على هذه الأعمال في مجتمعاتنا العربية، والتي في معظمها تعاني من أزمات اقتصادية، فبدلا من أن يعمل أصحابها في تنمية مجتمعاتهم، وسد رمق الفقراء والمهمشين، تخصص دون رقيب أو حسيب هذه الأموال لمسخ هوية الفرد، وصناعة إنسان إرهابي ومنحرف في الكثير من الأحيان. فالمتابع للمسلسلات يلاحظ التدني الأخلاقي ومجموعة رسائل سلبية يتم الترويج لها تحت مظلة “حرية الإبداع والتأليف”، ولا نفهم لماذا تتكثف المشاهد الخارجة عن الأخلاق والأعراف والقيم والمبادئ لتحاصر المشاهد من كل اتجاه في شهر واحد، وهو (شهر العبادة)؟ كأنها جرعة عالية من البذاءة عليه أن يتجرعها لتترسخ خصوصا في أذهان الصغار والشباب، ويصير كل شيء مباحا ومقبولاً! وهو من شأنه تقوية مقولات أن الفن يثير الغرائز، ويؤدي إلى الانحطاط، كما أن التعبير الفني إن لم يكن واعيا فإنه يحوّل الفساد المطلق إلى قداسة، لأنه يعرض لنا هالة منزوعة عن كلفتها الأخلاقية.

ويبدو أن الفضائيات الكبرى التي تشتري المسلسلات الرمضانية لعرضها حصريا على شاشاتها لا تراهن بدفع ثمن عال على المجهول، وإنما تعتمد على اسم البطل أولا، فمسلسل مثل “عفاريت عدلي علام” مثلا، يستند إلى شهرة الزعيم عادل إمام، رغم أن هذا المسلسل بالمقاييس الفنية يبدو فاشلا، بل هو من وجهة نظري، أصبح عبئا على سمعة عادل إمام كفنان كوميدي مقتدر بل فتح الباب للكثير من النقاد والجمهور لتقديم اجتهادات حول أهمية تفكير الفنان في اعتزال الفن للحفاظ على سمعته الفنية.

وهذا لا يعني أن جميع برامج ومسلسلات هذا العام دون المستوى، إذ لا يمكن لمتابع واحد أن يشاهد جميع المسلسلات ويحكم عليها، ولكن الحديث بشكل عام عن تدهور مستوى البرامج والدراما العربية إجمالا واعتمادها على الربح المادي والتسويق الجماهيري وابتعادها عن الغاية الأساسية وهي إضافة قيمة فنيّة لعقل المتلقي وتوجيه رسائل ذات قيمة حقيقية. وهذا هو المطلوب.

كاتب عراقي

18