فرية المعتدلين في التيار الإسلامي

الاثنين 2017/07/10

العمل الدرامي الذي حمل عنوان “الجماعة 2” وأذاعته قنوات مصرية مؤخرا فتح المجال لجدل كبير في الواقع السياسي، وحمله البعض معاني ودلالات عدة، هي في كل الأحوال استنتاجات وتأويلات تصب في صالح المؤلف والسيناريست وحيد حامد الذي استطاع تحريك جزء من المياه الراكدة بشأن التيار الإسلامي وأطيافه المختلفة.

السجال الأساس انصب حول نقطتين؛ الأولى علاقة الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر بجماعة الإخوان المسلمين والتي لم ينكرها أحد، فقد كان عضوا بها في ريعان شبابه وانفصل عنها، لكن هناك من شكك في ذلك، ومن ذهب إلى أنه تشبع بأفكارها إلى الدرجة التي جعلته ليّنا حينا معها، حتى جاء التحول الكبير عندما حاولت عناصر تابعة للجماعة اغتياله عام 1952، وثمة تفاصيل كثيرة حيال هذه المسألة ليس هنا مجال التوقف عندها.

النقطة الثانية تتعلق بالصورة والانطباعات التي خلقها المسلسل لدى الجمهور، فالبعض ترسخت لديه قناعات بشأن تجذر إرهاب جماعة الإخوان وأن امتداداته ضاربة في عمق التاريخ والعنف لم يفارقها حتى اليوم، لكن هناك فريقا تعاطف مع الشخصية المحورية في العمل الدرامي سيد قطب، الذي كان بمثابة المُنظّر والعقل المفكر للجماعة.

التعاطف جاء من رحم أن الرجل كان أديبا وشعر البعض من المشاهدين أن العقوبات الجسدية والمعنوية التي وقعت عليه مبالغ فيها أحيانا، هنا تحول الإسراف في العقاب، وفقا لما قدمه المسلسل، إلى تعاطف وخرج “الجماعة 2” من السياق العام كعمل درامي محترف إلى فضاء آخر، ودار نقاش كبير بين الفن والسياسة، ولهذا نقاد قادرون على تحديد الحد الفاصل بين الجانبين.

ما يهمنا هنا الزاوية التي تتعلق بأن العمل تجاهل ما يمكن وصفه بـ”المعتدلون” داخل جماعة الإخوان أثناء صراعها مع عبدالناصر، الذين اعترضوا على ممارسات الجهاز العسكري السري التابع للجماعة، وهو ما يعيدنا للسؤال المركزي، هل يوجد معتدلون ومتطرفون داخل التيار الإسلامي؟

التجربة أثبتت أن هذه الفرية تاجرت بها طويلا جماعة الإخوان المسلمين، وحاول عدد كبير من داعميها تسويقها وترويجها لتمكينها من التواجد والتوغل سياسيا في بعض المجتمعات، وبموجبها حققت الجماعة مكاسب عدة، لكن الخبرة أكدت أنها لم تنفصل يوما عن العنف الذي كان يطفو على السطح أو يخمد، حسب الوقت الذي تحدده قيادة الجماعة التي خرجت من رحمها غالبية العناصر الإرهابية.

بالتالي فالحديث عن معتدلين ومتشددين له سمت سياسي لم يعد خافيا على كثيرين، والكلام عن وجود هذا التيار منذ بدايات الجماعة ينطوي على إشارات توحي بما يدور في الوقت الراهن، وأن العنف الذي ارتكبه الجهاز السري كان مرفوضا من قبل آخرين.

بمعنى أن الإرهاب الذي يحدث في مصر من قبل حركات مثل “حسم” و”لواء الثورة” و”داعش” والقاعدة” وغيرها، لا يلقى قبولا من جانب أعضاء في جماعة الإخوان، أملا في التمسك بحجة التفرقة بين المعتدلين والمتطرفين. الوصول إلى هذه النقطة اصطحب معه سجالا بشأن التشكيك في نوايا العناصر التي أعلنت انشقاقها عن جماعة الإخوان أو أي من الفصائل الإسلامية الأخرى، وتبرأت من جميع الأعمال التي ارتكبت والسياسات التي جرى تبنيها، فالبعض أكد أن انفصالها حقيقي وتمكنت من كشف عورات الجماعة وحلفائها، وهناك من قال إن الابتعاد أو الانشقاق لا يعني التخلي عن تبني الفكرة الإسلامية.

المتابع للخطاب السياسي والكتابات التي صدرت عن هذا الفريق، يجد أن أعضاءه قدموا بالفعل إسهامات جيدة في فضح توجهات الإخوان، ويشعر أيضا أن معظمهم لم يتخلوا نهائيا عن الفكرة الإسلامية، ولدى فئة منهم قناعة كبيرة بأنهم يمثلون الوجه المعتدل لتيار الإسلام السياسي ومنهم من سعى إلى تأسيس حزب أو جماعة يندرج تحتها هذا الفريق.

الحظ لم يحالف هؤلاء لأسباب تتعلق بالأجواء السياسية وعدم تفاعل الحكومة المصرية مع المطلب، خشية أن يتم استغلال المحاولة كمدخل خفي لعودة الإخوان إلى المشهد السياسي، وفضلت أجهزة الدولة المختلفة الاكتفاء بتوظيفهم كرأس حربة في كشف ممارسات الإخوان أو الجماعة الإسلامية من الداخل، كما أن السماح لهم بتشكيل كيان سياسي يعيد للواجهة فكرة الفصل بين المعتدلين والمتشددين والتي لم تعد تروق للجهات الأمنية وكثير من القوى السياسية.

الفرز على القاعدة الإسلامية التي تفرق بين معتدلين ومتشددين أصبح محل رفض كبير في مصر، لأنه يفتح الباب لحديث آخر يدور في الكواليس بخصوص وضع الأقباط، والتمهيد إلى تشكيل حزب مسيحي لهم، في ظل رفض قطاع منهم للدور الذي تقوم به الكنيسة والتي تعتبر في نظرهم “مهيمنة” على شؤونهم السياسية.

الخطاب المصري الرسمي يضع جميع أنصار تيار الإسلام السياسي في بوتقة واحدة هي بوتقة التطرف، غير أن الخطاب الحقيقي للحكومة يسير في اتجاه آخر، فهناك أحزاب إسلامية لا تزال تعمل على غير ما جاء في الدستور، ولدى أحدها (حزب النور السلفي) ممثلون في البرلمان.

الحكومة بدأت تنتبه لخطورة الصمت على هذه الأحزاب، لكن خطواتها العملية بشأن حظرها لا تزال بطيئة، ولم تتحرك فعليا إلا منذ أسابيع لوضع حد لهذه الفوضى، ومن الصعوبة الوصول إلى الغاية النهائية وهي منع قيام الأحزاب على أساس ديني، لأنها لا تريد أن تمنح الفرصة لقادتها بالعودة إلى العمل السري وإجبارهم على التنسيق مع الإخوان، كما أنها تستثمرها في الإيحاء بأنها ليست ضد الدين الإسلامي وهي فقط ضد من يستخدم العنف ويحرض على الإرهاب.

هذه الإشكالية تعيدنا أيضا إلى مربع التفرقة بين معتدلين ومتشددين، كمن ينادون في مصر الآن بضرورة قيام جماعة الإخوان بتقديم اعتذار عما ارتكبته من جرائم، كمدخل لإجراء مصالحة مجتمعية هي في الأصل مرفوضة من قبل غالبية المصريين.

لذلك فالإصرار على التفرقة، بحسن أو سوء نية، ينسف الكثير من الخطوات التي اتخذت نحو تجفيف منابع تيار الإسلام السياسي، مقابل ترسيخ مبدأ مدنية الدولة المصرية.

كاتب مصري

9