فريدة النقاش صورة امرأة مصرية في السياسة والصحافة والحياة

الأحد 2015/02/08
فريدة النقاش مثقفة ترى أن المتطرفين استوطنوا سيناء بسبب كامب ديفيد

مصرية تؤمن بأن طريق النضال من أجل حقوق عادلة للمرأة ما زال طويلا، وتعتريه أشواك الثقافة الذكورية، بما تطبقه من قوانين اجتماعية غير مكتوبة، تشكك في قدرات النساء على تحمل مسؤولية القيادة، وتعاني من مخلفات صورة ذهنية سلبية قذفها اليمين المتطرف في المجتمع وشوّه بها وجه المرأة الناصع وتاريخها الممتد، والذي بلغ ذروته بالتضحية بالروح والدم بسقوط حميدة خليل، أولى شهيدات الحركة النسائية بمصر، في تظاهرة مناهضة للاحتلال في ثورة العام 1919.

فريدة النقاش نموذج للمرأة المناضلة في سبيل أفكارها، القادرة على مقارعة الحجة بالحجة، والمقاومة لمحاولات الجماعات المتاجرة بالدين، والرافضة لسجن المرأة في حظيرة فهمهم المشوه لصحيح الشرع، ومحاربة في جبهات عدة تنوعت بين الثقافة والسياسة والاجتماع، محققة في كل منها إنجازات تعكس قدرة على توظيف كل الأدوات لخدمة المبدأ والفكرة التي تكافح من أجلها.


السجن وطن


اسم حفرته سيدة منفردة، فريدة عبدالمؤمن النقاش، في عالم الصحافة والثقافة والعمل الاجتماعي، ومواقف دفعت ثمنها من حريتها سنوات خلف القضبان، غير أنها غزلت من خيوط أسرها ومعاناتها مؤلفها الأول الذي قدمت فيه للقارئ العربي ملحمة من المشاعر الإنسانية والرؤية السياسية.

عندما تجلس معها، تفيض عليك بمشاعر الأمومة، تناقشك في كتاباتك، تطمئن على سير شؤون حياتك، تشحن روحك بطاقة تحفيزية، تهنئك على نجاحاتك، تعرفها أمّا قبل أن تكون أستاذة ومناضلة، تقرأها عن قرب، تجري معها حوارات ومناقشات عدة، في مكتبها بجريدة الأهالي الناطقة باسم حزب التجمع اليساري، ذلك المكتب المفتوح دائما لكل مثقف، أو صحفي أو ناشطة نسوية، أو طالب نصيحة، بعد أن جلست فيه كأول رئيسة تحرير في مصر لصحيفة حزبية معارضة.

مع الاعتقال الأول كتبت “السجن وطن”، وسرعان ما استبدلت العنوان في الطبعة الثانية عقب خروجها من الاعتقال الثاني إلى “دمعتان ووردة”، عندما سألتها عن سبب الاعتقال الأول والثاني وسر تعديل اسم مؤلفها الأول، كانت إجابتها تعكس روحها الوثابة الراغبة دائماً في غرس الأمل، وإن سيطرت عليها مشاعر اليأس بعض الوقت، تحت ضغط المحنة فقالت “كان اعتقالي الأول لمدة شهرين في العام 1979، بقرار من الرئيس أنور السادات، لقيامي بإعداد مجموعة دراسات تناهض اتفاقية كامب ديفيد وتدعو لمقاومة التطبيع مع إسرائيل، ومع التجربة الأليمة أصدرت كتابي الأول ‘السجن وطن’، بينما كانت تجربة الاعتقال الثانية بتهمة المشاركة في تأسيس الحزب الشيوعي المصري”.

ابتسمت وهي تسترجع شريط ذكرياتها، وأضافت “الطريف أن قراراً جديدا باعتقالي أنا والسيدة شاهندة مقلد وعدد من القيادات الصحفية صدر أيضا من السادات، بتهمة المشاركة في أحداث الفتنة الطائفية، قبل أشهر من اغتياله في العام 1981، رغم أني كنت في المعتقل قبل حدوث تلك الأزمة” وخلالها، لتبلغ “فانتازيا” أجهزة الأمن ذروتها بذلك الاتهام، وكان ذلك دليل تلفيق الأمن للتهم وإدراج أسماء الكتاب والساسة في القضايا بشكل عشوائي.

النقاش أول سيدة تترأس تحرير صحيفة حزبية معارضة في مصر مصدرة تجربة اعتقالها الأول في كتاب "السجن وطن"


سليلة الدلتا


وتتابع النقاش قائلة “لكنّ القضاء كان ينصفنا ويصدر قرارات الإفراج عنا، وفي تجربة السجن الثانية عايشت نماذج إنسانية متنوعة، كتبت ‘دمعتان ووردة’، فالشعور كان مختلفاً حينها، أردت أن أقدم رسائل إيجابية للأجيال الشابة، في فترة توسعت فيها عمليات الاعتقال العشوائي ودخلت أجيال جديدة للعمل السياسي، وأردت القول لهم لا تخشوا من السجن فكما فيه ألم فإنه بالتضحية يفتح أبواب الأمل لغد أفضل”.

نشأتها وموطن مولدها وعائلتها وثيقة الصلة بالحياة الثقافية، الأمر الذي ساهم في صياغة عقليتها، فميلادها كان في قرية منية سمنود بمحافظة الدقهلية (وسط الدلتا) على بعد ساعتين ونصف تقريباً من القاهرة، لأسرة فقيرة، والدها كان يعمل مدرساً، لكنه كان شاعراً موهوباً، لديه ثمانية أبناء يكدح ويشقى كثيراً من أجل توفير لقمة العيش ومتطلبات حياتهم وتعليمهم، كانوا يقطنون في بيت صغير، غير أنه مكتظ بالكتب في كل جنباته.

عن مكتبة والدها، قالت النقاش “كانت تلك فرصة لتكوين ثقافتي، فكنت أقرأ كثيراً في مكتب والدي، دون أن أفهم، فالكتب وما تحمله من أفكار لا تناسب سني المبكر في المرحلة الابتدائية، وأكثر ما آلمني نفسياً اضطرار والدي لبيع المكتبة لتوفير مال يلبي احتياجات البيت الجديد، الذي انتقلنا إليه، وزادت النفقات مع الانتقال إلى القاهرة ودخول شقيقي رجاء النقاش الناقد الأدبي الكبير الجامعة، لذلك كان هدفي وأشقّائي إعادة تأسيس مكتبة في البيت الجديد مع أول تحسن للظروف المالية، وتحقق ذلك، في ذلك الوقت، كان رجاء قد بدأ يشتغل وهو ما زال طالباً، فعمل في تأسيس جريدة الجمهورية، وتنقل بين عدد من الصحف، كما التحقت أنا بكلية الآداب قسم اللغة الإنكليزية بجامعة القاهرة، وبدأت أعمل في مجال الدروس الخصوصية للمساهمة في توفير نفقاتي وشاركت في تأسيس المكتبة”.

كما كانت مكتبة والدها، الذي اضطر لبيعها لتوفير نفقات الأسرة جزءاً من تكوين عقلها ثقافيا، كانت نشأتها البسيطة، وشعورها بمعاناة الأسر الفقيرة سبباً في بناء أيديولوجيتها السياسية اليسارية المنحازة للطبقة العاملة والعدالة الاجتماعية، وكانت تجربة صديقتيها الفقيرتين اللتين حال فقرهما دون تحقيق حلمهما في مواصلة التعليم، سبباً في انخراطها في العمل النسوي، للدفاع عن حق المرأة في التعليم والصحة والمشاركة السياسية، وهي الآن رئيس ملتقى تنمية المرأة.

عن هذه المرحلة تقول فريدة النقاش “صديقتايا كوثر ومحسنة كانتا يانعتين متفوّقتين في دراستيهما، ولامعتين في المدرسة الابتدائية، وهما شقيقتان ربطتني بهما زمالة الدراسة وصداقة، وفجأة انقطعتا عن الحضور للمدرسة لأيام فذهبت لزيارتهما والوقوف على السبب، فقالت لي أمهما إن والدهما، وكان يعمل صياداً قد توفّي، وهي من طلبت منهما التوقف عن الدراسة لمساعدتها في العمل بصيد الأسماك لتوفير نفقات المعيشة، فهي لا تستطيع الإنفاق على تعليمهما واحتياجاتهما، وهذا سبّب لي ألماً، خاصة أنهما كانتا متفوقتين دراسيا عني وباقي الزميلات اللاتي أكملن الدراسة، وبدأت أتساءل لماذا هناك أغنياء جداً وفقراء جداً، أي لماذا هذا الاتساع الطبقي في المجتمع؟ ولماذا لا تكون هناك عدالة توفر للفقراء نفقات تحصيل العلم والمعيشة؟ من هنا بدأت تظهر توجهاتي اليسارية، وبدأت فيما بعد أنحاز لقضايا المرأة وأدافع عن حقها في التعليم والمساواة”.

كتابها "أطلال الحداثة" تتحدث فيه النقاش عن العقل الجمعي، مؤكدة أن النهوض به مرهون بالاستقلال الوطني، لتعرب عن أسفها الشديد لعدم وجود عقل جمعي عربي


الملكة فريدة


والدتها كانت سيدة ريفية بسيطة، لا تعرف القراءة أو الكتابة، مع ذلك كان لديها إصرار غريب على أن تُعلّم كل أبنائها وتشجع فتاتيها فريدة وأمينة التي باتت هي أيضا كاتبة صحفية، على مواصلة التعليم حتى الشهادة الجامعية، مشددة على الصبيتين، أنه كان لديها حلم ورغبة في أن تحصل على قسط من التعليم، ولم تمكنها ظروف أسرتها المادية من ذلك، فأرادت أن تحقق من خلال بنتيها ما لم تستطع تحقيقه بسبب الظروف الخارجة عن إرادتها.

ميلاد فريدة النقاش كان في نهاية سنوات حكم الملك فاروق، في وقت عشق فيه الشعب زوجته الملكة فريدة، التي كانت جميلة ومثقفة وطيبة القلب، بينما كانت سمعة الملك سيئة بأنه مزواج ويشرب الخمر، ويسيء معاملة الملكة، ما جعل الشعب يفرط في حبها، ومن فرط حب الأمهات للملكة أطلقن اسمها على كثير من بناتهن، فاختار النقاش وزوجته، اسم فريدة لمولودتهما.

لم يمهل القدر، ولا أعباء العمل اليومي، والدها عبدالمؤمن النقاش فرصة للاستراحة وإصدار ديوانه الشعري “ألحان الفجر” الذي كتب مقدمته قبل أن يتوفّى في العام 1975، فأصدرته فريدة وشقيقتها أمينة بعد رحيله محققتين له حلمه، الذي لم تمكنه طاحونة العمل اليومي من توفير متطلبات الأسرة لإصداره.

مارست السياسية في الجامعة، فارتبطت بحزب البعث سنة 1959، وتعرفت على ميشيل عفلق، أحد أبرز مؤسسي الحزب، وعندما تمت الوحدة بين مصر وسوريا حلّ الرئيس عبدالناصر كل الأحزاب، فقالت خلال لقاء في بهو فندق بشارع قصر النيل بالقاهرة “طالما أن عبدالناصر حل كل الأحزاب فلنؤسس حزباً سرياً”، وحتى الآن ترى أن عبدالناصر ارتكب حزمة من الأخطاء أهمها افتقاده لمفهوم الديمقراطية، وتسليم الحكم كاملاً لقادة عسكريين، وفي نظرها، أنه قتل الأحزاب وضيّق الحريات.

تؤمن النقاش أن أهم الأخطاء التي وقعت فيها الأنظمة السابقة، والتي لا يجب القبول بتكرارها، أن يخيّر النظام الشعب بين الأمن أو الحريات العامة، ففي سبيل تحقيق الأمن لا يجب انتهاك الحريات العامة، ولن تتقدم البلاد دون الأمن والحريات والديمقراطية معاً.

النقاش تعارض كامب ديفيد وتعتقد أن آثارها السلبية أفرزت الإرهاب في سيناء وأرخت بظلال سلبية على حل القضية الفلسطينية


تبعية أم غزو ثقافي


ترفض مصطلح الغزو الثقافي، وتفضل التبعية الثقافية، لأن الأخيرة من وجهة نظرها مفهومها أشمل بكثير وتبدأ من الثقافة، مروراً بالسياسة والاقتصاد، وغيرها، لكن الغزو به طرف فاعل ومفعول به وهذا ليس صحيحاً، فطوال التاريخ قاومت الشعوب مستعمريها وهي تتعلم منهم، وقالت لي ذات مرة “أتذكر مقولة لكلود بك أثناء الحملة الفرنسية على مصر، أن النساء شاركن في ثورتي القاهرة الأولى والثانية ضد الاحتلال الفرنسي، ومع ذلك نظمت مجموعة من السيدات مظاهرة خاصة طالبن فيها الرجال المصريين أن يعاملوا زوجاتهم كما يعامل الفرنسيون زوجاتهم، أي باحترام”.

كانت دائما تتطلع إلى الكرامة الإنسانية، فالمرأة استطاعت بوعيها الفطري أن تفصل بين المستعمر الذي ألقت عليه الحجارة، ووزعت المنشورات ضده، وتحضّره في التعامل مع المرأة، وحاولت أن تنقل عنه سلوكاً إيجابياً، وهذه هي النظرة الجدلية بين السلبي والإيجابي، الأمر الذي لم يأخذ حقه تاريخيا من الدراسة.

تعتقد أن المثقفين العرب والمصريين على نحو خاص مظلومون؛ فدائماً يتهمون بأنهم تقاعسوا عن أداء أدوارهم، بل قاموا بها في ظروف بالغة الصعوبة، بدفاعهم عن الحريات والاعتقاد، ونجحوا في دفع السلطات لإصدار تشريعات تدعم الحريات، لكن بعض المثقفين سقطوا في الطريق، عبر التراخي في أداء الدور، أو الخضوع للسلطة المستبدة بحثاً عن مغنم أو اتقاء شرها، وهناك من اعتزل ومن ضعف.

رغم السنوات المنقضية على رحيل السادات ما زالت النقاش ثابتة على رأيها في اتفاقية كامب ديفيد، وقالت عنها “ما زلنا ندفع ثمن هذه الاتفاقية، ونجني ثمارها المرة، فسيادة مصر على سيناء منقوصة، والجماعات الجهادية أنشأت قواعد بها، وهذا ناجم عن الفراغ الأمني بالمناطق منزوعة السلاح، ومصر في ذلك الحين اختارت الصلح المنفرد. وقبل كامب ديفيد كان التفاوض العربي جماعيا، فذهب الأردن إلى وادي عربة، وذهب ياسر عرفات إلى أوسلو، وتفتتت القضية العربية فلم تكن الاتفاقية فقط على أرض وحدود، بل سياسية ألحقت مصر بالسياسات الأميركية وبدأت التبعية، وهذا لا يعني أن السادات خان بل هو وطني بطل حقق انتصارات أكتوبر، إلا أني أختلف معه في القرار السياسي، الذي يعاني منه الجيش المصري، حتى في المناطق منزوعة السلاح بسيناء والتي تحولت إلى بؤرة للإرهاب”.

ترى النقاش أن وضع المرأة المصرية ما زال سيئا، ولم يتحسن رغم مشاركتها بقوة في ثورة 25 يناير وفي 30 يونيو، فهي ما زالت تحتاج إلى تشريعات تضمن لها كامل حقوقها، فالسياسات الاقتصادية والاجتماعية في عهد مبارك، أدت إلى اتساع قاعدة الفقر والبطالة على نطاق واسع.

8