فريدريخ دورنمات الأديب والمسرحي المتشائم من الإنسانية

الاثنين 2014/06/23
مسرحية "زيارة السيدة العجوز" حكاية امرأة لا تنسى ولا تنسى حتى تنتقم

باريس- لفريدريخ دورّنْمات (1921 /1990) مكانة بارزة في الآداب السويسرية الناطقة بالألمانية. نال شهرته في البداية بأعمال روائية متميزة كـ”القاضي وجلاّده”، و”الريبة” و”النفق”.

حاز دورّنْمات صيتا عالميا عند اشتغاله بالمسرح كمنظر ومؤلف ناهز إنتاجه ثلاثين مسرحية، تناوب المخرجون على تقديمها في مسارح العالم، مثل “مجانين الربّ” و”رومولوس الأكبر” و”الفيزيائيون” وخاصة “زيارة السيدة العجوز” التي عرضت مؤخرا في مسرح “التّمراد القديم” بباريس.

في نصوص دورّنْمات السردية والمسرحية نوع من القسوة والضراوة في تصوير البشر والتهكم على تلونهم ونفاقهم، فهو مثل النمساوي توماس برنهارد (1931 /1989) لا يؤمن بوجود إنسان طيب.

ولكن موقفه ذاك لا يأتي في شكل خطاب أخلاقي مباشر، بل في صيغة حكايات يرويها سردا أو مسرحا. والمسرحية التي بين أيدينا تنتمي إلى هذا السجل، وقد ألفها دورّنْمات عام 1955، أي في فترة شهدت نهاية حرب مدمرة وبداية الحرب الباردة. ومن ثَمّ كانت ثيمتها المحورية هي: هل يكون الانتقام نوعا من أنواع العدالة؟ وهل يكون بديلا من القضاء؟

تروي المسرحية قصة كلارا فاشر، وهي فتاة كانت تعيش في مدينة غولن، وقعت في هوى بقال شابّ يدعى ألفريد إيل، فلما حملت منه تنكر لها وأنكر أمام المحكمة طفله، فاضطرت إلى مغادرة المدينة والعيش عيشة بؤس أهلتها إلى بيع جسدها في ماخور بمدينة هامبورغ الألمانية.

ثم شاء لها حظها أن ينتشلها أحد الأثرياء، ويتزوجها ويهبها اسمه، فصارت تعرف بكلير زاهَناسيان. ولما مات، ورثته وصارت من ذوات النعيم، تخالط الأعيان والوجهاء، وتتزوج منهم من تشاء حتى راكمت ثروة سوف تستعملها لتسلّ نقمتها على إيل وشخصين آخرين شهدا زورا ضدها وعلى غولن كلها.

كانت قد جاوزت الستين من عمرها حينما عادت إلى مسقط رأسها، وقد استشرت فيه البطالة والبؤس، ومعها سبعٌ وتابوتٌ ورغبة في الانتقام من ذلك الشاب الذي خان حبها.

تقول: “لقد جعلني العالم بغيا، والآن سأجعله ماخورا”. استقبلها الأهالي كما يُستقبل المسيح المنقذ، وهم لا يعلمون أن إفلاسهم من تدبيرها، فقد رسمت طوال تلك السنين خطة بدأت بتركيع المدينة وإخضاع أهلها، بشراء مصانعها ومعاملها ومتاجرها ثم غلقها وتشريد العاملين فيها.

لمسرحية لاقت النجاح حيثما عرضت، والسبب ليس بنيتها المحكمة فقط، وإنما أيضا صورة تلك المرأة

ولما حضرت أردفت ذلك بإجبارهم على تسليمها شاهدي الزور، لتنتقم منهما شر انتقام حيث أمرت بإخصائهما وإعمائهما. أما المرحلة الثالثة من الخطة فقد عبرت عنها بقولها: “أعطيكم مالا كثيرا، وتعطونني جثة الرجل الذي خانني حينما كنت صغيرة”، وسط ذهول الناس ورعب ألفريد إيل الذي كان يحسب أن ما أتاه مجرد زلة شباب تزول بزوال زمنها، فإذا هي جريمة لا تزال تلاحقه.

ترسم المسرحية مشهدا جماعيا في مدينة أوروبية متواضعة، تتوسطه كلير زاهَناسيان وحولها شيخ المدينة وقس وطبيب وألفريد إيل وزوجته وأطفاله، وكذلك من يسميهم دورّنْمات بالمزعجين أو المضايقين، وهم فريق من الصحافيين حضروا لتغطية حفل الزواج الثامن للمرأة الثرية، فإذا هم في قلب قضية لا يفهمون منها شيئا، لأنهم لا يدركون أن الرهان هنا هو “عدالة مطلقة”، تطالب بها امرأة أهينت وأذلت، وقابلها الناس بالرفض في البداية والتضامن مع ألفريد إيل، ثم أذعنوا أمام مغريات المادة والآمال المعلقة على السيدة زاهَناسيان.

هذه المسرحية لاقت النجاح حيثما عرضت، والسبب ليس بنيتها المحكمة فقط، وإنما أيضا صورة تلك المرأة التي لا تريد أن تنسى ولا تكتفي بالمطالبة بالعدل، بل هي تصر على ما تسميه “عدالة مطلقة”، لأن ما عانته له في ذهنها من الفظاعة ما يخرج عن الإطار القانوني الجاري به العمل.

تقول العجوز كلارا فاشر في لحظة انتقام مريرة: (لقد جعلني العالم بغيا، والآن سأجعله ماخورا)

فالضرر هنا إذلال ومهانة ولّدا لديها جرحا لا يندمل، والعدالة لها اسم واحد في تصورها هو الانتقام. ومن ثَمَّ كانت شراستها وضراوتها وحرصها الشديد على طلب الثأر من إيل ومن الشاهدَيْن ومن المدينة كلها.

لأنهم خذلوها جميعا حينما كانت تسترحمهم يوم وقفت أمام المحكمة لإثبات هوية وليدها، فلم تجد في قلوبهم أثرا للرحمة. تلك العدالة التي أرادتها السيدة زاهَناسيان قابلها سكان المدينة في النهاية بجواب لا يقل نذالة عن موقفهم الأول، حيث أذعنوا لها صاغرين.

هذه القسوة لا تتبدّى في إخراج كريستوف ليدون مدير فرقة “الليل ولحظة المسرح” التي أسسها عام 1991، رغم خبرته في الإخراج، فقد سبق له عرض أعمال كلاسيكية كبرى لراسين وديدرو وشكسبير وموليير وتشيخوف وغولدوني، وأخرى معاصرة لدورّنغر وبارّيكو ولودج وسميون وسواهم. فقد اختار أسلوب الحكي بدل الاعتماد على أسلوب المعاينة، وبالغ في التركيز على الطوية بحسنها وخبيثها، ما أفقد المسرحية أحيانا وهجها.

ورغم الأداء المتميز لدانييل لوبران في دور كلير زاهَناسيان، وحرفية الممثلين الآخرين، والحفاظ على النسق الدرامي للنص في توتره وانفراجه، فإن ليدون بتفضيله التركيز على النواحي العاطفية، خصوصا في المشاهد الأخيرة، خالف ما تطفح به مسرحية دورّنْمات من انطباع حادّ بالقسوة، وهو انطباع يضع كل شخص أمام مفهومه للعدالة، من خلال صورة امرأة لا تَنسى، ولا تُنْسى. فهي تذكّر إلى حدّ ما بأسطورة “ميديا”.

16