فريدريك نيتشه المعرفة والقوة في زمن الثورات

السبت 2014/11/01
فريدريك نيتشه صاحب الروح المتمردة القاسية في تدميرها لـ"الأصنام الأزلية"

"ما من مفكر أشد إخلاصا من نيتشه، إذ لم يبلغ أحد قبله ما وصل إليه وهو يسبر الأغوار في طلب الحقيقة دون أن يبالي بما يعترض سبيله من مصاعب، لأنه ما كان ليرتاع من اصطدامه بالفجائع في قراراتها أو من انتهائه إلا لاشيء" بذلك يصف المفكر الفرنسي "إميل فاكيه" نيتشه وهو الذي درس العديد من مؤلفاته واستعرض فلسفته خارجا بحقيقة يجتمع عليها من يتفق مع نيتشه ومن يختلف، وهي أنه الفيلسوف الذي استشرف المستقبل وحطم أصنام الفكر الأوروبي المشيدة منذ أفلاطون إلى عهده.

واليوم في عصر تصاعد القوة في العالم، بحيث تبدو وكأنها أفلتت من زمامها، متناثرة غير مجمّعة في قطب أو قطبين كما في القرن العشرين، مع صعود تيارات لاهوتية متطرفة من جديد، وانهيار الأيديولوجيات، يبدو استحضار نيتشه لشرح الإنسان والسلطة ضرورة قصوى لفهم الوجود.


التأمل الذاتي


في الخامس عشر من شهر أكتوبر في عام 1844 رزق الراعي اللوثري فيلهم نيتشه بأول طفل له وهو “فريدريك نيتشه” المنحدر من أسرة بولونية الأصل تنتمي إلى الطبقة الأرستقراطية، وتميزت بكثرة رجال الدين فيها، لذلك توقعت العائلة أن “فريدريك” سيكمل راية الدين ولكن “سوف يثبت أن ذلك أعظم الافتراضات سخرية”. عرف نيتشه في طفولته بميوله الانطوائية والتفاته إلى التأمل الذاتي، ونحوه اتجاه الشعر والموسيقى، ماكثا في بيت يعج بالنساء “أمه وأختيه، وجدته، وعمتيه” بعد أن مات والده وهو لم يتجاوز الخامسة.


نيتشه واللاهوت


لم تأت رياح نيتشه العاتية كما تشتهي سفن أهله، إذ سرعان ما نبذ دراسة اللاهوت، مبتعدا عن الدين وأساساته التي نشأ عليها، مؤكدا أنه “إذا أردت راحة النفس والسعادة فعليك بالإيمان، أما إذا أردت أن تكون تلميذا للحقيقة، فعليك إذن أن تواصل البحث”.

أثناء تدريسه الفيلولوجيا في جامعة “بازل” نشر نيتشه كتابه الأول “مولد التراجيديا” (1872). حيث كان سباقا في كتابه هذا إلى تقويض ثنائية أساسية في الفكر الغربي امتدت من أفلاطون حتى نهايات القرن الثامن عشر. إذ فرق هدم نيتشه في كتابه هذا ثنائية (الخطاب الفلسفي العقلي ـ التعبير الفني الخلاّق)، ففي طريقه إلى ضرب هذه القسمة الغالية على التراث العقلي الغربي، فسر أصل المأساة اليونانية انطلاقا من التفريق بين دينويسوس “إله الخمر” الذي انبثقت من روحه التراجيديا كتجربة جمالية وبين أبولو إله العقل والنظام الذي انتصرت الفلسفة الغربية له منذ سقراط وأفلاطون الذي “ستغزو فلسفته التفاؤلية والإيمان بقوة العقل وحده، مستقبل الفلسفة الغربية لمدة ألفي سنة قادمة”. وبذلك قوّض نيتشه أولى الثنائيات الأساسية التي قام عليها العقل الغربي، مقدما ذلك بلغة مجازية طيّعة في يد أستاذ الفيلولوجيا الذي عرف شعاب اللغة ومكان اللعب فيها.

من ينوي فهم جاك دريدا وميشيل فوكو وبودريار وغيرهم من المفكرين المعاصرين لن يستطيع الانطلاق سوى من نيتشه


الحكمة الموجزة


مناقضا لما انتهجه المفكرون قبله وبعده في نشر مجلدات طوال، سعى نيتشه إلى تقديم حكمته بإجياز، “فالشيء الذي يقول بإيجاز قد يكون ثمرة فكر طويل، غير أن القارئ المبتذل في هذا المجال يرى في كل ما يقال بإيجاز شيئا جنينيا (..) فمعظم المفكرين يكتبون بطريقة سيئة لأنهم لا ينقلون أفكارهم وحسب بل أفكار غيرهم أيضا” من ذلك نجد أن مؤلفات نيتشه لا تمتد إلى مجلدات، بل يقتصر في تقديم أفكاره على تقديم زبدة القول بحيث لا يتجاوز أكبر كتبه 500 صفحة، فهو يستثير قارئه ويدفعه إلى التفكير واللحاق به في ركب البحث عن الحقائق ولسان حاله “أكتب بدمك والقارئ الحاذق هو وحده من سيدرك المعنى”.


هكذا تكلم زارادشت


ذلك الجنس البشري الذي دفع بنيتشه إلى كتابة واحد من أعظم كتبه “هكذا تكلم زارادشت”، حيث ارتبطت هذه الشخصية المتخبطة في علاقتها مع الجنس الآخر بوثاق الحب مع “لو أندرياس سالومي” الفتاة الروسية التي عرفها في روما عن طريق صديقه العالم النفسي “بول ري”، حيث تقدم إلى خطبتها بعد يومين من معرفته بها، بيد أنه لم يوفق. وكان “ري” أيضا وقع في غرام سالومي، وبعد فترة وجيزة فقد نيتشه الاثنين الصديقة والحبيبة فهو “مهووس، نصف مجنون، مزعج، مثير للصداع بسبب “العزلة المفرطة” هذه العزلة التي أنتجت كتابه “هكذا تلكم زارادشت” عام 1883.

خلال عشرة أيام كتب نيتشه الجزء الأول من “هكذا تكلم زارادشت”، متأثرا بشكل رئيسي بقصته مع سالومي والتي تجلت بشخصية زارا التي يقوم عليها الكتاب فهو “الهائم بلا صديق يتنقل من مكان إلى مكان ويتحدث مع أي عابر سبيل يستمع إليه”. لا يمكن القول عن “هكذا تكلم زارادشت” إنه كتاب فكري بحت، إذ نُحت الكتاب بلغة شعرية وبقالب سردي يخال للقارئ البسيط أنه نثر لا كتاب تعاليم فلسفية، فنيتشه هنا يلاعب المجاز بلغة شعرية يمرر من خلالها أفكاره عن الموجود البشري ويرسم صورة جمالية تصنف كتابه مع علامات الأدب والفن.

لا يسع القول هنا لمقاربة الكتاب، لكن يمكن إجمال القول بأن نيتشه بسط في كتابه هذا ثلاثة مفاهيم رئيسية في فلسفته وهي (الإنسان المتفوق (السوبر مان)، إرادة القوة، العود الأبدي).


الإنسان المتفوق السوبر مان


ورد لفظ السوبر مان قبل نيتشه عند كل من الكاتب اليوناني الساخر (لوسيان) (120-180م). أيضا استخدمه الكاتب الألماني الكبير غوته في “فاوست”، لكن يرى نيتشه أن مصطلح السوبر مان ورد عند هؤلاء على أنه تطور حتمي لأشكال أعلى من الحياة وهذا ما يراه نيتشه “سوء فهم دارويني عن السوبر مان”، فلقد رأى زارا أن السوبر مان أبعد ما يكون عن الحتمية. هو تحدٍ دائم للروح البشرية وقد لا يتحقق أبدا. بيد أن نيتشه يؤكد أنه علينا كمخلوقات بشرية أن نكافح نحو هذا الوضع، نصارع لكي نكون إنسانا أعلى ولكن لن نكون مطلقا. “فما الإنسان إلا حبل مشدود بين الحيوان والإنسان المتفوق – فوق الهاوية. خطر في عبور الهاوية، وخطر في سلوك هذا الطريق وخطر الالتفات إلى الوراء”، هذا ما يؤكده نيتشه على لسان زارادشت.

يقول نيتشه: "سأقيم الحواجز حول أفكاري كي لا تدوس الخنازير بستاني، ومن جملة الخنازير أولئك المعجبون بي بلا فهم"


إرادة القوة


إن تحدي السوبر مان القائم أمامنا كبشر يحتاج إلى موقف ذهني ينتج عنه فعل. هذا الموقف هو ما يطلق عليه نيتشه “إرادة القوة” المصطلح الذي استمده من الفيلسوف شوبنهاور ، حيث التقى نيتشه بكتاب الأخير “العالم كإرادة وحياة” معلنا بعده أنه رأى في الكتاب “مرآة ينعكس فيها العالم، والحياة ذاتها، وروحي أنا في إخلاص مرعب”. يفرق شوبنهاور – كما سلفه إمانويل كانط ـ بين العالم على نحو ما يظهر (أي الظواهر) وبين العالم كما هو على حقيقته، ومن هنا يجد شوبنهاور أن جميع الظواهر هي تجليات فيزيقية لحقيقة تكمن خلفها. هذه الحقيقة هي “الإرادة”.

ولا شك أن مفهوم “الإرادة” هو من المفاهيم الأساسية التي اهتدى إليها نيتشه في بحثه عن الحقيقة، بيد أنه في الوقت الذي يرى فيه شوبنهاور أن هذه القوة اللازمانية واللامادية “الإرادة” هي مصدر عذاب مستمر لأنها لا تصل إلى رضا وقناعة أبدا بل إلى رغبة أبعد، كان نيتشه أكثر تفاؤلا ورفضا لتشاؤمية شوبنهاور المفرطة، لكن بقيت تحضر في صدى أفكاره صورة عن كون تحركه إرادة عمياء ليس لها أي معنى مطلق.

توحي فكرة إرادة القوة من ناحية سطحية بمبدأ فج ومباشر هو انتصار الأقوى، لكن في الحقيقة ليس بهذه البساطة، إذ تقوم فكرة إرادة القوة عند نيتشه على مبدأ سيكولوجي مفاده أن كل موجود يسعى إلى أن يمد نطاق فعله وتأثيره لتدعيم نفسه وتقوية ذاته. ويوضح هذا كلام زارادشت نيتشه “أن إرادة الضعيف تغريه أن يخدم الأقوى، فإراداته تريد أن يكون هو السيد على هؤلاء الضعفاء: هذه البهجة وحدها هي التي لا نريد أن نتخلى عنها “فكلما عظمت إرادة الإنسان كلما علت المخاطر”، فحتى الأضعف “يستطيع أن يسرق بطرق سرية في القلعة البشرية، وحتى في قلب ما هو أكثر قوة ــ ويسرق قوتهم”.

من هنا نجد أن السوبر مان هو الذي يستطيع أن يجسد إرادة القوة على نحو شامل. ويذهب نيتشه إلى أن هناك أفراد تاريخيين معينين اقتربوا بالفعل من هذا المثل الأعلى مثال: غوته، نابليون، يوليوس قيصر. وهذا ما دفع بعض النقاد إلى مهاجمة نيتشه على أنه يجيّش لصورة الفرد الأناني – لاسيما بعض الماركسيين الذين ظنوا أن نيتشه هاجم أخلاقهم الاشتراكية أثناء تقويضه للأخلاق المسيحية. ويرد نيتشه على هذه الاتهامات بقوله: “في مغامرة الآذان البريئة المستاءة أسلم بأن الأنية (الأنانية) تنتمي إلى ماهية الروح النبيلة وأن أساسها يضرب في القوانين الأولى للأشياء”.

يرى نيتشه أن السوبرمان أبعد ما يكون عن الحتمية. هو تحدٍ دائم للروح البشرية وقد لا يتحقق أبدا. ويؤكد أن علينا كمخلوقات بشرية أن نصارع لكي نكون إنسانا أعلى ولكن لن نكون مطلقا


عن الخير والشر


يحمل كتاب ما وراء الخير والشر (1886) روح نيتشه المتمردة القاسية في تدميرها لـ”الأصنام الأزلية”. هذه الأصنام التي ستأفل في فلسفة نيتشه بعد كتابه هذا بعامين مع كتاب “أفول الأصنام” الذي تحدث فيه نيتشه عن “التفلسف بالمطرقة، مثل الضرب بالشوكة الرنانة لضبط النغم” وذلك لاختبار ضحالة هذه الأصنام فـ” الأصنام الأشد قدما وضحالة، تلك التي آمن بها الناس″. هذه المقدسات/الأصنام، هي ما يسعى نيتشه إلى تفتتيها بمطرقة فكره.

أولى هذه المقدسات/ الأصنام التي يطرقها نيتشه في كتابه “ما وراء الخير والشر” هي فكرة “الحقيقة”. يربط بين الفلاسفة والحقيقة رباطا وثيقا قديما قدم الفلسفة نفسها، من ذلك معنى كلمة (فيلسوف) عند اليونان(:philosophis أي محب الحكمة). وهذه العلاقة هو ما يقوضه نيتشه في ما وراء الخير والشر.

فـ”الحقيقة هي ذلك النوع من الخطأ الذي دونه لا تستطيع أنواع معيّنة من الموجودات الحية أن توجد، فقيمة الحياة حاسمة على نحو مطلق”، بعبارة أخرى ينسف نيتشه مفهوم الحقيقة، ليؤكد أنه لا توجد حقيقة بذاتها يصل إليها العقل كما تفلسف فلاسفة عصر التنوير، إنما تلك تصورات ذاتية عن الحقيقية، أما هذه الأخيرة فهي كغيرها من الأصنام الفارغة التي يتوجب على الفيلسوف تحطيمها.

من هنا نجد أن ما وراء الخير والشر هو “كتاب في جوهره، نقد للحداثة” انطلاقا من نسف الحقيقة المجردة والموضوعية العلمية، مرورا بحقوق الإنسان والمواطنة وحقوق المرأة وصولا إلى المساواة.


أصل الأخلاق وفصلها


“تحت أي ظرف يصدر الإنسان أحكام القيمة الخاصة بالخير والشر؟ وما هي قيمتها الذاتية” يشكل هذا السؤال الأساسي في دراسة نشأة الأخلاق، الأساس الذي يقيم عليه نيتشه كتابه “أصل الأخلاق وفصلها” (1887)، حيث يبحر نيتشه للإجابة عن سؤال نشأة الأخلاق في باب وضع ما قبل الأخلاق، لينتقل في كتابه أصل الأخلاق من أساس متين نحو دراسة فلسفية/ فيلولوجية لأصل الأخلاق وفصلها. ويقدم بكتابه هذا مشروعا فكريا مزدوجا أوله دراسة الأفكار الأخلاقية وتحليلها وثانيه نقد السيكولوجيا من خلال بحثه عن الكيفية التي استطاعت من خلالها الموجودات البشرية أن تصل إلى المبادئ الأخلاقية. من أجل هذا البحث الأصيل في تاريخ الأخلاق البشرية حمل كتاب نيتشه هذا “حقائقاً لا تسرّ أبدا، تصبح مسموعة كهمهمة مملة آتية من بعيد”.

في 3 يناير من عام 1889 كان فريدريك نيتشه ذاهباإلى عمله في “تورين” وإذ بحوذي يضرب حصانا هرما يأبى المشي، فما كان من نيتشه إلا أن احتضن الحصان وبكاه بشدة، لينهار بعدها فيُسعف إلى بيت أحد أصدقائه ليصمت ثلاثة أيام متتالية، وليفقد بعدها قواه العقلية حتى وفاته في العام 1900. ممهّدا بذلك طريق الفكر أمام كل الفلاسفة الذين تبعوه، فكان بحق ملتزما بما أملته الحكمة عليه “شديدا لا يبالي بشيء”.

15