فريد أبوسعدة: ذكريات الطفولة والمشاهد اليومية منبع القصيدة

الأحد 2017/10/29
لغة الأنوثة وإيماءات الجسد قادرة على تفجير قصيدة

يحظى محمد فريد أبوسعدة (71 عامًا) بخصوصية بين شعراء جيل سبعينات القرن العشرين في مصر، وتشكل تجربته منذ بواكيرها تفتحًا على المشهد البسيط العابر واليومي، بتكثيف ورشاقة وخلوّ من التكلف اللغوي والموسيقي، وهي لوازم لم ينج منها كثيرون من رفقاء جيله الذين أغراهم المجاز واجتذبتهم حيل الكتابة، فتأخر نضج القصيدة فيما قدموه من أعمال.

فريد أبوسعدة، ابن مدينة المحلة (شمال القاهرة) وأحد مؤسسي جماعة “إضاءة 77” الشعرية، صاحب تجربة شابة، حتى بعد تجاوزه السبعين، كتب قصيدة النثر في عدد من دواوينه متواصلًا مع الأجيال اللاحقة، وفي كتابته التفعيلية كان الإيقاع مجرد خلفية، فلم يُسند الشاعر إليه دور البطولة، ولم يتحوّل إلى طنطنة تحجب مفاتيح الرؤية المتعمقة.

صدر مؤخرًا لفريد أبوسعدة ديوان جديد بعنوان “أطير عاليًا” عن “المجلس الأعلى للثقافة” بالقاهرة، يضاف إلى رصيده من الأعمال الشعرية وهي “السفر إلى منابت الأنهار”، “وردة للطواسين”، “الغزالة تقفز في النار”، “طائر الكحول”، “معلَّقة بشص”، “سماء على طاولة”، “سيرة ذاتية لملاك”، وغيرها.

“العرب” التقت الشاعر محمد فريد أبوسعدة الحاصل على جائزة الدولة التشجيعية في الشعر ووسام الامتياز في الفنون والآداب من الطبقة الأولى في حديث عن منابع تجربته الشعرية وأجواء ديوانه الأخير “أطير عاليًا”، الذي صدر في 123 صفحة، متضمنًا قسمين؛ الأول نص مطوّل بعنوان “يتساقط ريشي في المكان”، والثاني مجموعة قصائد قصيرة بعنوان “صدأ يطير/قصائد أولى”، وهي نصوص كتبها في بداياته الشعرية ولم تصدر مطبوعة من قبل.

مفهوم آخر للموت

في “أطير عاليًا”، يحلق فريد أبوسعدة إلى أبعد مدى في فضاء شعري، على أن الطائر الغريد لا يقوى على الاحتفاظ بريشه، ومن ثم فإن الجسد قد يهوي ممزقًا، في حين تواصل الروح صعودها، ربما إلى خلود وربما إلى موت تطل منه مرة أخرى على الحياة بشفافية ومعرفة جديدة “أخبروني الآن/أنني سأعودُ من الموتِ خلال أيام/وأعكفُ حاليًا/على إعدادِ لائحة الانتقام”.

الجانب المعرفي لا يمكن إغفاله كضرورة لازمة لتكوين ثقافة الشاعر جنبا إلى جنب مع روافد التجربة الحياتية المباشرة

وصف أبوسعدة هذه الرحلة بأنها “خلاء تطوف به الأرواح”، وينسب الشاعر قصائد “أطير عاليًا” كلها إلى ذكريات الطفولة ومحطات الصبا، إذ تبدو مشاهدات “الشيخ الطائر” إطلالة حميمة على البواكير، وهذا يفسر استدعاء الشاعر بعضًا من نصوص البدايات في القسم الثاني من الديوان، فهو بكامله رحلة إلى الماضي.

ويعتبر الحديث عن “أطير عاليًا” حديثا عن الروافد الأولى، عن البدايات الطازجة، عن المؤثرات الحقيقية في التجربة الشعرية، مشيرًا إلى أن “بيت العز” هو بيت من البيوت الخمسة التي تنقلتْ بينها أسرته قبل أن تستقر فيه أخيرًا، وهو بيت يفتح بسلاملك على خلاء واسع، كان حديقة كبيرة، هُجرتْ منذ زمن بعيد، ولم يبق حيًّا من آثار الحديقة سوى بعض النخلات المثمرة، وشجرة رمان تزهر، في موعدها، ولكنها لم تثمر أبدًا.

ويقول لـ”العرب”، “كنا نطل عبر الخلاء على شارع مدرسة الفرير”، متوقفا عند أجواء تشكل تجربته الشعرية منذ مهدها، موضحا “نرى المدرسة، ومستوصف السبع بنات الذي تديره الراهبات مجانًا وكنيسة الأخوة ومدرسة نوتردام الثانوية، وفي آخر الشارع نقابة العاملين بشركة مصر للغزل والنسيج، كان الشارع يمتد بين النقابة من جهة والسكة الحديد من جهة أخرى”.

ويضيف “كنت في العاشرة تقريبًا وكانت منطقة السبع بنات في هذا الزمن أرستقراطية، نظيفة وهادئة، حتى أنها في الليل كانت متنزه العشاق الصغار، وفي الورديات الثلاث لخروج العمال من الشركة القريبة يعبرها الألوف عبر أنفاق السكة الحديد راكبين الدراجات إلى قراهم”.

مخزون الواقع

ينسب فريد أبوسعدة الحرص الشعري المبكّر لديه على التفاصيل العادية والبسيطة إلى هذه المشاهد اليومية التي تشبّعت بها ذاكرته منذ الصغر، ويقول “لا أنسى كذلك مشهد خروج تلاميذ مدرسة الفرير، وركوبهم الحناطير التي تكون في انتظارهم، التلاميذ بملابسهم النظيفة كأنهم مغسولون بالماء والثلج والبرد، يحملهم العربجية إلى الحناطير كما لو كانوا بهشاشة غزل البنات، وهناك أيضًا مشهد خروج راهبات السبع بنات بزيهن الأسود والكول الأبيض المربع حول أعناقهن، يحملن شموعًا ويمضين ضارعات”.

وأعاد أبوسعدة في حواره مع “العرب” إلى مثل هذه المشاهد الفضل في نحت وجدانه وتشكيل رؤيته الشعرية، قائلًا “أعترف بأن حركة الواقع لها الأثر الأول والأوضح في كل ما أكتب، هذه المشاهدات المحفورة في الذاكرة كانت وما زالت تسهم في تكوين وعي الصبي الذي كنتُه، والشاعر الذي يكتب حتى الآن، أعني على وجه الخصوص الوعي بالتناقض، بين الذين يمضون مرهقين إلى قراهم بالدراجات، والذين يحملهم العربجية إلى حناطيرهم برقة يفتقدونها حتى مع أبنائهم، ثم بين هذا كله وبين ضراعة الراهبات قائلات يا رب ارحم”.

وراء البساطة في كل ملمح شعري

روافد معرفية

لا تخلو قصائد “أطير عاليًا” من نزعة فلسفية مبعثها تأملات وافية في الحدث العابر للخروج به من المجانية الضيقة إلى آفاق تأويلية أرحب، كما في قصيدة يقول فيها أبو سعدة “سقط رجلٌ من الفضاء/سقطَ بكرسيهِ المتحرك/لم تكن ثمة طائرة في الأعالي/لم تكن ثمة مظلة بالكرسي/نظرَ حولهُ يائسًا وحزينًا/الذين رأوه قالوا: كم كان بهيًّا وجليلاً ومرهقًا/لكن من هرعوا إليه/وجدوهُ يتلاشى/ويختفي وهم ينظرون”.

بديهي، أن التعويل على التجربة الحياتية المباشرة ومشاهدات الواقع لا يكفيان وحدهما لصياغة مشهد شعري يتسع لمثل هذه التأملات والتصورات الذهنية.

وهنا يوضح فريد أبوسعدة لـ “العرب” أنه “لا يمكن إغفال الجانب المعرفي كضرورة لازمة لتكوين ثقافة الشاعر، جنبًا إلى جنب مع روافد التجربة الحياتية المباشرة”.

ويستعيد الشاعر بواكير تلك الروافد المعرفية التي بلورت تجربة “أطير عاليًا”، بقوله “بدأت بقراءة الكتب القليلة التي وجدتها في بيتنا، تفاسير القرطبي، تاريخ الجبرتي، الأساطير اليونانية، كتاب عن ميكانيكا السيارات، رواية أحدب نوتردام، شجرة البؤس والأيام لطه حسين، وغيرها”.

وكانت هذه الكتب هي مائدته الأولى، وأثناء الانكباب على القراءة، تسحره البرامج الإذاعية مثل: لغتنا الجميلة، وليالي الشرق، وألف ليلة وليلة، وساعة لقلبك، والمسلسلات الإذاعية مثل، سمارة وعوف الأصيل، وغيرها.

ويشير فريد أبوسعدة، إلى تعرّفه بعد ذلك على مكتبة البلدية، ووقوعه على “الكنز الهائل للكتب”، وصار يقضي بها الساعات الطويلة والإجازات المدرسية، ويقول “قرأت أعمال شوقي (الشاعر أحمد شوقي) ورامي (الشاعر أحمد رامي) وروايات السباعي (الأديب يوسف السباعي) وإحسان عبدالقدوس، واكتشفت أهم اكتشاف وقتها أن الشعر ما زال يُكتب، وأنه ليس وقفًا على ما كتبه الشعراء القدامى وندرسه في المدارس. اكتشفت إبراهيم ناجي وعلي محمود طه وكثيرين، فقلت إذن يمكن”.

لم يكتب أبوسعدة قصيدة التفعيلة ولا قصيدة النثر في أول عهده بالكتابة، إنما سبقت قصائدَ البواكير التي تضمنها ديوان “أطير عاليًا” محاولاتٌ في كتابة القصيدة العمودية، وعن تلك المرحلة يقول “بحثت عن كتب تدلّني على الطريق، كيف أستوعب فنون العروض والقافية؟ ووجدت ضالتي في كتب العلامة الأب لويس شيخو اليسوعي، فرحت أملأ كراساتي بالبحور وتفاعيلها، بعللها وزحافاتها، والأمثلة والشواهد عليها، كنت أدرس بحماس يفوق حماسي للدروس المدرسية نفسها، ورحت أكتب أبياتًا على غرار ما أحفظ أو أقرأ، محاولا التعبير عن نفسي”.

الصداقة والسياسة

شكلت الصداقات محطة مهمة من محطات نضج تجربة فريد أبوسعدة في سن مبكرة، وكانت محافظة الغربية تعج بالأسماء الأدبية المتحققة والواعدة في ذلك الوقت، وعن أبرز مجايليه وأصدقائه ومدى تأثيرهم في تجربته وبواكيره الشعرية التي تضمنها ديوان “أطير عاليًا”.

التعويل على التجربة الحياتية المباشرة ومشاهدات الواقع لا يكفيان وحدهما لصياغة مشهد شعري يتسع لمثل هذه التأملات والتصورات الذهنية

وأكد لـ “العرب” أنه في العام الثاني الثانوي تعرف على محمد المنسي قنديل وجار النبي الحلو، وكانا يكتبان القصص فكتب قصصًا، وحاولا هما أيضًا كتابة الشعر، ثم تعرفوا على فصيل سبقهم إلى تكوين نادي الأدب في عام 1965، منهم سعيد الكفراوي وجابر عصفور ومحمد صالح ونصر حامد أبوزيد وأحمد الحوتي ورمضان جميل وبكر الحلو.

عن تأثر هذا الجيل بالأحداث السياسية الفارقة، وعلى رأسها هزيمة 1967 وما أعقبها، يشير أبوسعدة إلى أن الفترة من 1965 إلى 1967 كانت البوتقة التي صهرت هذا الفصيل، وكانت أيضًا آخر عهده بالبيت، حيث التحق بكلية الفنون التطبيقية بالقاهرة، فيقول “حضرت مظاهرات 1968 (نادت بالإصلاح والاستعداد لمواجهة إسرائيل والثأر من الهزيمة) مع جابر عصفور.

وبدأ عمر جديد وتشكلت رؤى جديدة بالإنصات لكتّاب العاصمة في مقهى ريش والأتيليه وإيزافتش ودار الأدباء والنادي النوبي، وتعرفنا على نجيب محفوظ ونجيب سرور وعبدالحكيم قاسم ويحيى الطاهر عبدالله وأمل دنقل وعفيفي مطر وإبراهيم فتحي وخليل كلفت، وبدأت مرحلة أخرى تحمل معنى النضج والخصوصية في الكتابة”.

انفجارات أنثوية

في ديوان “أطير عاليًا” تأتي الأنثى شاهدة على تأرجح الشاعر وتعلقه بين السماء والأرض، ولا تتخلى الأنثى عن عناقها للشاعر في صعوده، وكذلك أثناء سقوطه وبعد تحطمه.

ويتحدث أبوسعدة في إحدى قصائده “تأثرتُ جدًّا من بكائكِ في جنازتي/نعم/برغم كل وساوسك/وكل إساءاتكِ/التي وضعتها بحرص الصائغ/إلى جوار الأوسمة/وشهادات التقدير/نعم برغم كل هذا/نسيت كل شيءٍ مع شهقاتكِ/بل وتمنيت لبرهة/أن أخرج رأسي لأقول: لا عليكِ”.

عن علاقته بالمرأة أو بالأخرى، التي تنعكس بوضوح في أجواء تجربة “أطير عاليًا” ومراحل الصبا والشباب المبكر يحكي أبوسعدة أن العائلة كانت تجتمع كل جمعة عند جدته أمّ أبيه، التي خصص لها والده حجرة في البيت، ومن هنا تعرّف على بنات العائلة وكان محظوظًا لأن البنات يتنافسن في محبته هو “ابن سيد العائلة” وفق تعبيره.

ويقول مختتمًا “عرفتُ مبكرًا الشغف بالبنات، عرفت مباهج التحرشات الصغيرة، عرفت أبجدية الأنوثة الطافرة في إيماءات الجسد، عرفت مراوغة القصيدة وجنون الشعر”.

كاتب من مصر

13