فريد أبو سعدة شاعر خائف من نفسه وعاشق تائه في العالم

الأربعاء 2014/03/12
نصوص أبو سعدة تقول إن الحب هو الذي يحقق الكمال البشري

يطرح ديوان “أنا صرت غيري”، الصادر عن “الهيئة العامة لقصور الثقافة”، للشاعر المصري محمد فريد أبو سعدة، مجموعة من الاشتباكات الدرامية والمعادلات الشعرية التي تتعلق بالذات والآخر والأرض والعالم، داخل النص الشعري، فتمتزج الحياة بالأسطورة، والأيروسي بالعرفاني الصوفي، فتتجلى روح الإيقاع الاستعاري باللامرئي في أزمنته الأولى وأمكنته الواسعة.

فريد أبو سعدة يجنح في أعماله الشعرية السابقة لكسر آفاق التوقع لدى المتلقي من خلال ركوب جناحي الشعر المجاز واللغة، والدلالة المتحركة في نصه الشعري، غير أنه قد أسلم نفسه في هذا الديوان للحياة بكل ما فيها من نزق وحب ومعاناة، أعني أنه وثّق مشروعه الشعري بطين الأرض الغاضب أيضا.


إنسان جديد


جاء ديوان “أنا صرت غيري” في مجموعة من العتبات النصية، أولاها العنوان “أنا صرت غيري” وثانيها الغلاف وثالثها الإهداء. بالنسبة إلى العنوان فهو يحمل الكثير من الدلالات المفتوحة، منها الخاص جدا الذي يمكن أن نحيله إلى الشاعر الذي تحوّل، فأصبح إنسانا جديدا بعد تجربة المرض التي ألمّت به، وصار أكثر تمردا ووضوحا.

ويمكننا أن نطلق المعنى والتأويل لنقول: إنه يخاطب العالم الخارجي الكوني البريء، فقد تحوّل الخطاب الشعري لدى فريد أبو سعدة من النقر على وتر الموت إلى الخارج الأكثر اتساعا ومتعدد النقرات اللانهائية، حيث يخاطب الإنسان المصري الذي رفض كل أنواع الظلم، وصرخ في الميادين معبّرا عن رأيه، وحريته، وكسر حاجز الخوف، وعادت روح الانتماء إليه بعد أن قد كسرتها السلطة السياسية منذ قيام ثورة يوليو 1952، وحتى 2011، فأصبح إنسانا جديدا، يبحث عن العدالة التي يرغب في انتشارها عبر أنحاء العالم، وتكون مصر نواة لهذه العدالة.
البنى اللغوية ترتكز على توافق المفردة الدرامي مع الصورة التي تلبست النص الشعري نفسه

فريد أبو سعدة شاعر المعادلات اليومية في كتابة القصيدة النثرية المصرية بصفة خاصة، حيث إنه انشغل بتركيب المشاهد الشعرية في صيغة المعادلات الرياضية التي تجعل النص الشعري لديه نصا يحمل الكثير من المعاني المختلطة لدى القارئ. ترغمه على التأويل اللانهائي. وإذ نقرأ في مطلع الديوان قوله: ” أنا حجرٌ/ جالسٌ في المياهْ/ أراقبُ أحصنةً/ في دمي“، نلفي صورة المعادلات الشعرية واضحة من خلال صوت الذات الشاعرة التي تقف على ضمير المتكلم “أنا” ترقب العالم الخارجي من خلال الوجوه التي تمرّ على طريق النص الشعري الرياضي الذي اختاره الشاعر، فالذات تخرق المنطق اليومي، لتراقب جراحات الأحصنة الشعرية داخل العالم المخترع الذي ناسب وجعها اليومي أيضا. ومن ثمّ فقد تراقب الأحصنة التي تعيش في دماء الذات آلامها الحياتية التي تمرّ بها.


مرايا الذات

التناصّ يتجلى في نصوص فريد أبو سعدة


المشهد برمته يكسّر المكر اليومي الذي تجلس خلفه بقايا الآخر المتربص بالذات المشغولة بروح العاشق التائه في مياه الخلق الأولى. فالمعادلة تكمن في الذات المشغولة بنفسها هذا من جهة والعالم المشغول بها من جهة ثانية، فينتج عنهما نص يحمل الأصوات المتلاشية التي جاءت في صورة الأحصنة الصغيرة، قصائد الديوان، حيث يقول: “أنا خائفٌ من ذهابي إليّ/ أحاول أن أتذكرَ من كنتُ/ قبلَ وجودي/ وما كان اسمي/ وهل كان شكلي كما هو/ أم/ كنتُ غيرى؟/ كأن حياتين تلتقيان هنا فجأة/ وكأن المرايا ستعكسُ وجهين/ وجهي/ ووجهي الغريب عليّ”.

تبدو روح الذات الشاعرة كما تجلّت في النص الفائت يغلب عليها طابع الحنين المتوتر القلق الذي لا يستطيع أن يتخذ قرارا ما، فهي حائرة بين الوجود واللاوجود، نلاحظ بروز الذات المتشظية في النص حيث تحاول الوصول إلى نموذج ثابت لها فلا تستطيع ذلك، وكأنها أصبحت تعيش أكثر من حياة، الوجه الحقيقي الأصلي والوجه الغريب، وتكمن المفارقة الدرامية التي يتلاعب بها النص نفسه حيث إننا أمام نص متعدد الوجوه في حقيقة الأمر، لما تعكسه مرايا الذات المتحركة.

ترتكز البنى اللغوية التي اعتمد عليها فريد أبو سعدة في ديوانه على حركية المفردة من خلال التوافق الدرامي بينها وبين الصورة التي تلبست النص الشعري نفسه، فتحمل روح المناجاة الداخلية أحيانا وروح الميلودراما أحايين أخرى، مما يمنح النص اتساعا في القراءة، ورمزية في التلقي.


روح الحلاج


يتجلى التناصّ بشكل كبير في نصوص فريد أبو سعدة وهذا لا يخلو من دلالة تأويلية مهمة، وهي أنه منفتح بكتابته على تراثه الثقافي، من ذلك متحه من مقولات المتصوفة الكبار، وهو ما يجلوه نصّه الموالي: “أدركتُ ما بي/ وأدركتُ أن المدينة َ تركضُ/ تحت ثيابي/ وأن الإلهَ الرحيم َ/ الإلهَ الذي أستجيرُ بهِ/ عرشهُ ها هنا/ تحت جلدي/ أنا!”.

تحوّل الخطاب الشعري من النقر على وتر الموت إلى مساءلة الخارج والحلول فيه

حضور روح المتصوّف في شعر "أبو سعدة" يمثل ظاهرة فنية يعيشها ببدنه وقلبه الذي لا يخلو من رائحة العشق الإلهي. النص محمّل بالتأويلات المباشرة وتأويل التأويل، لأنه يمتح من معين السلف الكبار بروح الحداثة التي كانت تنطلق في زهدهم وألقهم الليلي البهيم.

كما جاءت صورة المعشوقة التي أعلنت الذات لها الحب الصريح، فهي الإله الذي يسكن البدن، يمشي به ويحب من أجله ذاته. وكأن الحب هو الذي يحقق الكمال البشري للذات ويجعلها تطفو فوق سطح الحياة لتعرج إلى آفاق الغيم.

فربما يكون الكمال الذي يتحدّث عنه الشاعر ما هو إلا الوجود الكامل للذات، التي بدون الحب الخالص للنفس من ناحية والفناء في المعشوق لن تكون ذات قيمة حقيقية لها مداركها الواسعة التي تتدلّى من العلوّ السماوي المسكون تحت عباءة الشعرية.

14