فريد الزاهي: الترجمة كما التأليف عمل إبداعي

الكاتب والمترجم المغربي يؤكد أن الكثير من ترجماتنا تدخل سريعا لمزبلة التاريخ الثقافي، ويعزي الكم الضئيل من الترجمات إلى صعوبة الترجمة للعربية من لغات ليست من عائلتها اللسانية.
الأحد 2018/12/30
الترجمة حوار مزدوج مع الذات والآخر

فريد الزاهي كاتب ومترجم وناقد امتهن الكتابة كحرفة بعدما ترسّخت في وجدانه كشغف وغواية، لتصبح مشروعا ثقافيا وفكريا تمخض عنه العديد من الأبحاث والدراسات والترجمات ضمّن فيها رؤاه وأفكاره، ولعل الترجمة من أهم الممارسات الكتابية التي أدمنها الباحث المغربي الذي أتقن أدواتها بكل حرفية. فهي بالنسبة إليه رهان ثقافي حضاري، وجسر حوار، وضرورة ثقافية لا يمكن لأمة أن تتخلى عنها دون أن تنعزل عن العالم. الترجمة بهذا المعنى هي نافذة كونية.

من بين كتبه المؤلفة: “الحكاية والمتخيل” (1991)، “الجسد والصورة والمقدس في الإسلام” (1999)، “النص والجسد والتأويل” (2004)، “العين والمرآة” (2005)، ومن بين الكتب المترجمة: “علم النص/ جوليا كريستيفا” (1992)، “مواقع حوارات مع جاك دريدا” (1992) “صيف في ستوكهولم/ عبدالكبير الخطيبي” (1992)، “مراكش المدينة: رواية/ كلود أولييه” (1995)، “الصورة وموتها/ ريجيس دوربريه” (2002)، “الخيال الخلاق في تصوف ابن عربي/ هنري كوربان” (2008)، “السحر والدين في إفريقيا الشمالية/ إدمون دوطي” (2008).

رحلة مع الترجمة

وعندما سألناه عن بدايته مع الترجمة وهل حقق ذاته الإبداعية في الانتقال من لسان لآخر دون مشقة، قال فريد الزاهي إن الترجمة ممارسة تكون في البداية أشبه بالتحدي والرغبة في امتلاك اللغة وثقافة الآخر من خلال الهجرة الحرة ما بين لسانين، وربما كان للضرورة دور في ذلك، وأوضح ذلك كونه عضوا في النادي السينمائي بمدينة فاس، وكان علينا تعريب البطاقات التقنية للأفلام، ولا تزال هذه الترجمات التي لم أقم بتوقيعها سارية لحد اليوم في الجامعة الوطنية للأندية السينمائية.

وعن رحلته مع الترجمة أشار فريد الزاهي إلى أنه قام بترجمة ميشال فوكو وبيير بورديو ونشرت الترجمات في جرائد مغربية، بالموازاة مع الكتابات التي نشرت في الجرائد والمجلات المغربية وهو لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمري. والحقيقة أن هذه الترجمات ساعدتني بشكل كبير على إنجاز البحث في الإجازة عن فكر عبدالكبير الخطيبي، إذ وجدت نفسي أترجم مقاطع لهايدغر وجاك دريدا والخطيبي، بعمق لا أزال راضيا عنه لحد اليوم. الترجمة إذن في مشواري الفكري والثقافي هي الوجه الآخر للكتابة بحيث اعتبرتها منذ البداية ممارسة للكتابة عبر فكر الآخر.

هذه التجربة المبكرة هي ما جعلت فريد الزاهي يتنطّع لنصوص متمنِّعة عن الترجمة أو ممْتنعة عنها تمثلت في نقل نصوص جوليا كريستيفا وجاك دريدا والخطيبي وكلود أوليي للعربية، إنها رهان ثقافي يضيف الباحث المغربي ويُبيّن أن قدرة المترجم الكاتب المثقف، أكثر من المترجم بالمعنى الحرفي، أكبر لتلقي واستضافة الهوامش المعقدة لثقافة الآخر  في صلب اللغة والثقافة العربيين.

وهنا يطرح سؤال أين تبدأ وتنتهي مسؤولية المترجم والكاتب يتفاعل مع نص إبداعي وفكري مرتبط ببيئة ثقافية ونفسية واجتماعية ربما مغايرة لما تعيشه، وهنا يقول الزاهي، إن مسؤولية المترجم الحقّ تبدأ لكي لا تنتهي، فكل نص مترجم هو استنبات في ثقافة جديدة واستجابة راهنة أو استشرافية لحاجيات ثقافية.

المثقف الحقيقي حسب فريد الزاهي هو الذي يكون تدخله ومنتَجه وفعله ساريا في ما وراء الظرفية الراهنة وخاضع لمسؤولية أخلاقياتية تنبع من جودة إنتاجه وتدخلاته في الثقافة والمجتمع

والمترجم يقول فريد الزاهي يعيش حياته في هذه الثقافة حسب أهمية النص وجودة الترجمة وتتعرض تلك المسؤولية للاغتيال حين يأتي مترجم يعيد النظر في ترجمتك ليقدم ترجمة أجود فيحكم على ترجمتك بالموت. لهذا فكل ترجمة حية هي ترجمة ندّية للنص تقوم مقامه في اللغة المضيفة، وتضمن للنص الأصل كما للمترجم نوعا من الاستمرار والفاعلية. وتلك مسألة اختيار ومسألة إبداع ترجمي.

قد يخفق نفس المترجم في إيصال المعنى الذي أراده صاحب النص الأصلي، فمتى يكون ذلك وهل هذا راجع إلى ذات المترجم أم أن هناك أسبابا غائبة تجعل الترجمة تفشل في مهامها وأهدافها، يجيب فريد الزاهي أن المترجم الجيد ينجح عموما في الترجمة الجيدة لكل ما تمسه يداه وكلما كان المترجم جيدا كلما كان متخصصا في المجالات التي يتقنها معرفيا وثقافيا.

في المقابل إذا كان ممتهنا للترجمة فإنه سيترجم أشياء بعيدة عن مجالات اهتمامه، وقد يخفق في بعضها وينجح في ما هو قريب من ذاته. المترجم ليس آلة ترجمية، إنه كاتب يتلقى في مرآة نفسه مُنتَج الآخر ويمنحه صورة موازية يلزم أن تكون ندّية في لسانه وثقافته. والحقيقة أن الكثير من ترجماتنا تدخل سريعا لمزبلة التاريخ الثقافي.

وعن واقع الترجمة بالمغرب والعالم العربي وهل هناك حركة في هذا المضمار يمكن أن تصنع فارقا في الإنتاج الفكري والثقافي، يقول فريد الزاهي إنه ليس ثمة حركة ترجمة في العالم العربي بالمعنى المتداول، بالرغم من ظهور بؤر منظمة لها كالمجلس القومي للترجمة بمصر والمنظمة العربية للترجمة، ومشروع كلمة بأبوظبي.

ويعزى ذلك إلى الكم الضئيل من الترجمات مقارنة مع بلدان أخرى، وإلى مستواها المتواضع وأيضا إلى صعوبة الترجمة للعربية من لغات ليست من عائلتها اللسانية، ومع ذلك يشير فريد الزاهي إلى أن حال الترجمة اليوم أفضل مما سبق وجودتها في نموّ مطرد. الترجمة في عالمنا العربي مسألة أفراد فقط.

مسؤولية المترجم الحقّ تبدأ لكي لا تنتهي، فكل نص مترجم هو استنبات في ثقافة جديدة واستجابة راهنة أو استشرافية لحاجيات ثقافية

ترجم فريد الزاهي لعبدالكبير الخطيبي ودريدا وجوليا كريستيفا وكتاب السحر والدين لإدمون دوطي وغيرهم، نتساءل أين وجد المترجم نفسه داخل هذه الترجمات وما الصعوبات التي واجهتك في إتمام مهمتك، ليجيب بأنه مثقف متعدد الاهتمامات، فيلسوف وإسلامولوجي وباحث أدبي بالتكوين، وأنثروبولوجي ثقافي بالبحث، ويشتغل على الصورة والجسد ونقد الفن بالكتابة.

وهذا التعدد يجعل ثقافتي تمكنني من أن أجعل من هذه المكونات مدخلا لمواجهة ترجمة التصوف والأنثروبولوجيا والفلسفة بالراحة والسعة والسعادة نفسها، أما الصعوبات فهي حكاية متشعبة المسالك يمكن الحديث عنها وعن آلامها ومعاناتها مطولا غير أن المجاهدة تمكنني دوما من تجاوزها أو على الأقل من مداورتها كي تكون الترجمة “أمينة” للنص الأصل و”أمينة” للغة والثقافة التي تحتضنها.

إنها مفارقة صعبة وإشكالية تنصهر فجواتها في ذهن المترجم وتفجّر قدراته الفكرية واللغوية والثقافية، وذلك هو الجانب الخفي الذي يمكن حكايته في موطن آخر. فلكل ترجمة حكاية، يقول فريد الزاهي.

في يوم ما قال فريد الزاهي إن التراث الغربي المتصل بالمغرب ليس كله ذا نوايا استعمارية محضة، ويوضح المؤشرات والمعطيات التي أسس عليها موقفه، بالقول إنه في الوقت الذي كان فيه مولييراس والأب دوفوكو وإدمون دوطي وماسينيون وميشو بلير وويسترمارك ولوتورنو وغيرهم يدرسون عوائد المغاربة وعقليتهم وسلوكهم ومعتقداتهم، كان ذلك طبعا في غالب الأحوال موجها في إطار البعثات الاستعمارية. لكن في ذلك الوقت بالذات كان المغاربة يكتبون عن النوازل وعن تحريم التصوير والغراموفون والاختلاط.

ويؤكد الزاهي هنا أن هذه الكتابات، إذا جردناها ولو جزئيا من نواياها هي وثائق تاريخية نفيسة وقيمة عن مرحلة لا معرفة لنا بها كمغاربة، ويوضح أن دراسة دوطي عن السحر (التي ترجمتها للعربية) برغم مما يشوبها لا تزال لحد اليوم المرجع الرئيس عن هذه الممارسات، ولم يقدم لنا أي أنثروبولوجي عربي لحد اليوم دراسة تنافسها في القيمة العلمية والتوثيقية، كما أن دراسة لوتورنو عن فاس لا تزال لحد اليوم مرجعا صلبا لدراسة المدينة المغربية في بدايات القرن الماضي.

لكل ترجمة حكاية
فريد الزاهي: لكل ترجمة حكاية

لنعترف أنه كان لنا من مصادر عن نهاية القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين كلها أجنبية. بل إن الوثائق الفوتوغرافية والسينمائية بالرغم من عنصريتها وطابعها الكولونيالي إلا أنها تظل المصدر الوحيد الذي لدينا عن نوعية حياتنا في تلك المرحلة الطويلة، وما أنتجناه اليوم عن مجتمعنا لا يضاهي معرفيا ما تم إنتاجه عنا، وليكن نقدنا لهؤلاء موضوعيا بحيث لا ينطلق أيديولوجيا من الوطنية العمياء والهوية المتوحشة، بقدر ما يرى في نتاج هؤلاء وثيقة يلزم توظيفها ورؤية يلزم نقدها أيضا.

مفاهيم الصورة والجسد والمتخيل

كل هذا يدفعنا إلى الانتقال إلى مشروع الزاهي الأنتروبولوجي، فدراساته للجسد والمقدس والصورة في الإسلام والثقافة العربية استقاها من قراءاته للخطيبي ودريدا ولوبروطون وهايدغر، ويقول لقد أحسست منذ أكثر من ثلاثين عاما أن الصورة والجسد مهمشان في الثقافة العربية فابتغيت طرْق مجال جديد يستوجب البحث والتحليل.

وها هو هذا المسعى يتطور اليوم بشكل حثيث في الثقافة العربية. وأعتبر أن ما نشرته من أبحاث ودراسات ومقالات وترجمات تعتبر اليوم مرجعية في العالم العربي. لقد أدركت حينها أن إشكالية الجسد والصورة تخترق بخفائها وتهميشها سابقا، كما بعيانيتها وانتشارها حاليا، تاريخنا منذ ما قبل الإسلام. لذا وجبت دراستها وتحليلها، لكي نفهم مسارب ومسالك وعثرات هذا التاريخ ولكي نفهم جسدنا وصورتنا.. وعن الصورة والجسد في علاقتهما بالمتخيل والإسلام، وبالممارسة الفنية داخل الثقافة العربية القديمة والمعاصرة يؤكد الزاهي أنها ليست ثنائية فقد اكتشفت أن الجسد صورة والصورة جسد في اللسان العربي (راجع ابن منظور، صور)، وأن متخيل الصورة هو متخيل الجسد في الإسلام والثقافة العربية.

وهذا التواشج يقول فريد الزاهي هو ما يجعل منهما مكبوت الثقافة العربية الإسلامية، بحيث أن كل تناول لهما صار مُحرِّرا لها ولهما في الآن نفسه. لهذا فإن دراستهما تظل متواشجة في المجال الثقافي والفني. وما نحتاجه اليوم هو توسيع هذا الاهتمام ليشمل مجال السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والممارسة اليومية. وهو ما أحفز عليه الباحثين من خلال كتاباتي وأبحاثي وترجماتي.

ويعتقد فريد الزاهي أن ما يقوم به باحثونا و”نقادنا” هو ممارسة الفصل بين مكونات الصورة بحيث لا يسعون في أبحاثهم إلى محدّدات تصوُّرية ونظرية، فالباحث أو الناقد في مجال السينما منعزل عن الباحث في مجال الفنون التشكيلية وفي مجال الوسائط البصرية الأخرى. والحال أن أبحاثي تنتقل من هذا لذاك من خلال مفهومين أساسيين: مفهوم الصورة ومفهوم الوسائطية، بحيث أن أفق التحليل والبحث في المتخيل البصري يغدو أوسع وأقدر على تمثل التمفصلات التي تربط بين مختلف أنواع إنتاج الصور.

من ثم يعتبر الزاهي أن هذا التصور يربط بين الجمالي والاجتماعي والأنثروبولوجي في عملية تحليل واحدة ومتعددة في الآن نفسه، تمكّن من الإمساك بدينامية الصورة وآثارها في المتخيل البصري واليومي والاجتماعي للإنسان العربي.

فريد الزاهي يرى أن دور المثقف قد تحجم كما عرفناه وصار من الضروري إعادة بنائه، ولذا فالجوائز العربية ليست كلها قابلة للنقد

صدرت مؤخرا ترجمة فريد الزاهي لكتاب كلود عداس: البيت المحمدي، نظرات على محبة النبي في التصوف الإسلامي، وهنا تساءلنا عن الإضافة التي يتوقعها من هذا المؤلف في مجال يقارب الوجداني والجواني في الفكر الإسلامي، وهل مثل هذه الترجمات قد توطّد العلاقة بين الجسد الإسلامي كمفهوم يتجاور فيه المتخيل والواقعي على المستوى العرفاني والكلامي والشعبي وفي الثقافة الإسلامية، ليعترف الزاهي بأنها ترجمة طلبها مني صديقي محمد بنيس، غير أنها تلائم منحاي في ترجمة التصوف (الخيال الخلاق لابن عربي ومقدمات السهروردي).

ترجمة تدخل في اهتمامي بالجسد والصورة والمتخيل في التصوف الإسلامي. أما نوعية تلقيها فتلك مسألة أخرى، بيد أن ترجماتي لمؤلفات دافيد لوبروطون عن الألم والصمت سوف توجه الدراسة الأنثروبولوجية لدينا نحو هوامش اجتماعية وذاتية لا نزال لم نفتح أذهاننا على أهميتها القصوى.

وعن توظيف مفاهيم الصورة والجسد والمتخيل لمقاربة التصور الإسلامي للوجود والإنسان، يوضح فريد الزاهي أن مركزية الجسد والصورة تشكل “ثنائية” متعاضدة تخترق الفكر الإسلامي وتتخلل الممارسات اليومية للإنسان في المجتمعات العربية، لهذا فإن هذا الجانب المقدس لا يزال يحيا، بل يعود بقوة للحياة من خلال مسالك مختلفة: عودة المقدس والديني في حياة العرب المعاصرين، وانخراطهم في مجتمعات الصورة. والمفارقة التي يلزمنا الوقوف عليها اليوم تتعلق بأنواع الترابطات التي ينسجها هذان المنحيان المختلفان في مصادرهما التاريخية..

واقع المشهد الثقافي

كان لا بد من سؤال فريد الزاهي عن تقييمه للمشهد الثقافي المغربي والعربي في ظل شبه موات للقارئ، وكيف يرى صورة النقد بشكلها الحالي وهل حركية النقد مرتبطة بما تعرفه الساحة الثقافية والإبداعية، ليجيب إنه يلزمنا الاعتراف بأن القراءة كما الكتابة قد تغيّرت اليوم بوسائطها، وحتى القيم الثقافية تغيّرت. صحيح أن الكتاب ما يزال موجودا وحيا ومتداولا، لكن القارئ اليوم لم يعد له النفَس نفسه ولا الاهتمامات نفسها.

ويضيف أن الحديث عن الأدب الرقمي ما هو إلا دليل على ذلك، وإن كنت أعتبر أنها بدعة لا أساس لها، لأن الوسيط والموضوع لا يخلقان الأدب. أما النقد فقد “تطور” بشكل كبير بحيث صار عدد النقاد أكبر بكثير من عدد الروائيين والأدباء الجيّدين. بالمقابل فإن النقد التشكيلي والبصري ضعيف لأن لغة الفن بصرية ولغة النقد لسانية، وهو ما يجعل حصة هذا النقد قليلة مقارنة مع قوة الحركة وشساعتها الفنية في العالم العربي.

“موت المثقف وولادة الدجال” جملة مرعبة جاءت في أحد حوارات فريد الزاهي جعلتنا نستوضح الدواعي التي جعلته يكون فكرة شبه قاتمة حول أدوار المثقف المغربي والعربي في الزمن الراهن، وكيف السبيل إلى تجاوزها، فالمثقف الدجال حسب الباحث المغربي هو المثقف الانتهازي والوصولي الذي يصنع صورته بنفسه وعبر أنواع السلط التي يرتبط بها، كما عبر وسائل الإعلام، فيصير “سلطة” ثقافية، علما أنه لا يملك آلياتها لا بقيمة إنتاجه ولا بفعله ولكن فقط بمنصبه وتصريحاته.

فريد الزاهي يؤكد أن النقد "تطور" بشكل كبير بحيث صار عدد النقاد أكبر بكثير من عدد الروائيين والأدباء الجيّدين

فالمثقف الحقيقي حسب فريد الزاهي هو الذي يكون تدخله ومنتَجه وفعله ساريا في ما وراء الظرفية الراهنة وخاضع لمسؤولية أخلاقياتية تنبع من جودة إنتاجه وتدخلاته في الثقافة والمجتمع.

وحول موقفه من الجوائز الثقافية العربية والمغربية والتكريمات الموسمية للمثقف والكاتب، هل هي إضافة تشجيعية للمبدع أم تكريس لريع ثقافي يأكل مما تبقى من الصورة التي يجب أن يكون عليها المثقف العضوي، اعتبر فريد الزاهي أن الوقت قد حان لإعادة النظر في مفهوم المثقف العضوي لا لأنه مفهوم قاصر اليوم فقط، ولكن لأن آليات التواصل الثقافي خلقت أنماطا جديدة من المثقف أقامت بينه وبين السياسة والمجتمع والدولة مجموعة من الحواجز الشفافة والكثيفة التي يصعب على المثقف تجاوزها أو مداورتها.

وأضاف الزاهي أن دور المثقف قد تحجم كما عرفناه وصار من الضروري إعادة بنائه، ولذا فالجوائز العربية ليست كلها قابلة للنقد، وما يمكن التحسّر عليه هو أن دولا لا تملك تقاليد أدبية وثقافية صارت تخصص الجوائز للأدب والنقد الأدبي وكأنهما الثقافة حصرا. هذا الاختزال للثقافة في الأدب يهمش الفكر والسوسيولوجيا والفلسفة والأنثروبولوجيا والتاريخ وتاريخ الأفكار وغيرها.

واعتبر فريد الزاهي أن التكريم يمس أحيانا شخصيات لا أثر لها على المدى الطويل في الحقل الثقافي، وأنا لست ضد التكريم والجوائز وإنما مع تنوعها وجديتها وخلوها من الاستهتار بالتاريخ الثقافي العربي. فالهَوام (أي الزائل والعرضي) سيغربله التاريخ، ولا فائدة من جائزة أو تكريم لا يؤبدان ويخلّدان فضل صاحبهما وأثره.

12