فريد بوغدير يستكمل ثلاثيته السينمائية بـ"زيزو"

بعد “عصفور سطح” و”صيف حلق الوادي” يعود المخرج التونسي فريد بوغدير مستكملا ثلاثيته السينمائية بفيلمه الجديد “زيزو”، الذي يعرض حاليا بالقاعات التونسية، فيلم كوميدي عن ثورة 14 يناير 2011، بمنظار بوغدير طبعا.
الجمعة 2016/10/14
بانوراما تونسية

عاد المخرج التونسي فريد بوغدير إلى الإخراج السينمائي بعد غيبة دامت حولين من الزمن، مقدما فيلما كوميديا عن ثورة تونس 2011، عنوانه “زيزو” في نسخته التونسية و”عطر الربيع” في نسخته الفرنسية، وهو إنتاج مشترك تونسي-فرنسي.

بعد اهتمامه بمرحلة الطفولة في فيلمه الروائي الأول “عصفور سطح” أو “حلفاوين” (1990) من خلال شخصية “نورا” المستكشفة لعوالم المرأة بجمالها وجنونها، ومرحلة المراهقة في فيلمه الثاني “صيف حلق الوادي” (1996)، مبرزا قصة ثلاث فتيات يافعات، يعشن نفس الأحلام والانكسارات وإن اختلفت دياناتهنّ، يتحدث بوغدير في فيلمه الجديد عن مرحلة الشباب من خلال عزيز ويكنى بـ”زيزو” (قام بالدور زياد العيادي)، القادم من الجنوب التونسي باحثا عن عمل في العاصمة.

يصطدم “زيزو” الشاب الريفي الساذج في سعيه للبحث عن عمل بالعاصمة تونس بتناقضات المدينة وما تخفيه أسوارها من أسرار من بيت إلى آخر، وهو الذي ينطّ بحكم عمله الذي توفّر له، والمتمثل في تركيب اللاقطات الهوائية لأجهزة التلفزيون على أسطح المنازل، من “سطح” إلى آخر، فيدخل البيوت من أسطحها، لا من أبوابها، متنقلا بين جميع الأوساط الغنية والفقيرة، مكتشفا بانوراما من الأيديولوجيات والحساسيات السياسية والاجتماعية المحكومة بالصمت، قبيل اندلاع ثورة 14 يناير 2011 بأشهر.

في خضم كل هذه الأحداث التي تسبق الهبّة الشعبية المطالبة بإسقاط النظام، يعشق “زيزو” -وهي ثيمة بوغدير في كل أفلامه السابقة- فتاة شابة، تلصّص عليها من فوق السطح بحكم عمله، وهي التي حبسها شخص من عائلة نافذة، فهام بها وأقرّ العزم على تخليصها من سجنها القسري.

وفجأة تندلع الثورة في تونس، فيجد “زيزو” نفسه بطلا رغما عنه، أو بعبارة أدق بطل الصدفة، حين حاول تخليص حبيبته “عايشة” (قامت بالدور سارة حناشي)، من سجنها، وفي محاولته تلك راوغ البوليس بقفزه وهروبه منه من خلال السطح، مصدر رزقه وخلاصه وبطولته أيضا، وقبل أن يقع من عليّ، يتشبّث الشاب الساذج بمعلّقة ضخمة لصورة الرئيس معلّقة على الجدار الخارجي لإحدى البنايات، فتتمزّق صورة “الطاغية” بين يديه، لتملأ صوره مواقع التواصل الاجتماعي ويهتف الكل باسمه، ويتحوّل إلى رمز وطني.

فريد بوغدير في فيلمه الأخير ظل وفيا لنهجه السينمائي الذي جُبل عليه منذ فيلميه الأوّلين (عصفور سطح) و(صيف حلق الوادي)، عشق وتلصّص وبطولة مفاجئة تأتي على طبق المُصادفات

يتمكن “زيزو” في النهاية من إنقاذ حبيبته من سجّانها، وسط احتفاء شعبي كبير، فيحاول ضمّها وتقبيلها في مشهد رومانسي عفوي، ليفاجأ البطل بتوعّد رجل “متدين” بالويل والثبور إن هُما تعانقا.

هذه النهاية، ربّما هي ملخص ما أراد قوله بوغدير في فيلمه، وكأنّ الحبيبة المسجونة هي تونس التي تمّ تخليصها من الغطرسة والجور، وكأن النهي عن العناق والتوعّد بالقصاص من الحب والحق في الحياة، هو ما آل إليه البلد بعد أن تمّ تحريره “رمزيا” ليتفرّق الصحبة إثر ذلك كلّ إلى غايته، ويكشّر كل طرف عن أيديولوجيته.

فريد بوغدير في فيلمه الأخير ظل وفيا لنهجه السينمائي الذي جُبل عليه منذ فيلميه الأوّلين “عصفور سطح” و”صيف حلق الوادي”، عشق وتلصّص وبطولة مفاجئة تأتي على طبق المُصادفات.

فعن العشق، فقد حفلت كل أفلامه السابقة بالعشق وإن كان طفوليا في “عصفور سطح”، تمثّل في حب “نورا” للخادمة الوافدة على المنزل، أو في عشق الفتيات الثلاث للمغامرة والحياة والتماس أولّ قبلة لهنّ في “صيف حلق الوادي”، وهو ما حصل مع “عزيز” في هيامه بحبيبته السجينة في “زيزو”. والتلصّص مأتاه “السطح” في مغامرات “نورا” الصبيانية في فيلم “حلفاوين”، وما يوفّره السطح من إمكانية استراق النظر لعوالم خافية، وهو ما فعله عشّاق الفتيات الثلاث أثناء تلصّصهنّ عليهنّ في أوقاتهنّ الحميمة من ثقب باب على السطح يُشرف على “عُمق” أسرارهنّ، والأمر ذاته انسحب تماما على “عزيز” في علاقته بحبيبته رمز بلوته وقوّته.

فأما عن البطولات المفاجئة، فلنا في “نورا” بطولة صبيانية من خلال تفاعل حبيبته الخادمة التي تكبره سنا مع عشقه الممزوج بالرغبة، فبادلته حبا بحب، وهو الغض، مما أتاح له التحرّر من سطوة أبيه!

وهو ما أتته “مريم” في “صيف حلق الوادي”، حين ضحّت بعرضها لأجل إنقاذ عائلتها من جشع “الحاج الباجي” مالك العقار الذي تسكنه، فوافته المنيّة بين حضرة جمالها قبل أن يلمسها حتى.

وهو ما وجد “زيزو” نفسه فيه في فيلم بوغدير الأخير، حيث بات بطلا ملحميا، وهو لا يدري، ليبقى القاسم المشترك في “ثلاثية” المخرج التونسي المخضرم إخلاصه الدائم لثقافة العيش المشترك والسلم الاجتماعي، وإن تغيّرت الأزمنة.

ولم يخل فيلم “زيزو” رغم طرافة طرحه من هنات في البناء الدرامي كحديث “عزيز” بلهجة أبناء المدن وهو القادم لحينه من الريف إلى العاصمة، كما غفل بوغدير عن وضع بطله ضمن سياق الفيلم الاجتماعي والسياسي، وهو المنقطع حديثا عن تعليمه الجامعي، ليظهر بسذاجة طاغية في تعامله مع الأيديولوجيات التي تقاذفته كيفما اتفق مستغلة بساطة تفكيره، فبدا كأنه أميّ جاهل لم يجلس على مقاعد الدراسة يوما، وهي سقطة الفيلم.

16