فريد زكريا فوكوياما الهندي الذي يفكك ظواهر العالم

زكريا يؤكد أنه لن يوجد نظام دولي من دون الولايات المتحدة، ويرى أن دورها سيستمر في ترتيب أحجار شطرنج التحالفات لمواجهة الأزمات الدولية.
الخميس 2020/04/02
فريد زكريا.. رحلة في كشف "العالم الجديد"

لم تكن رحلة كريستوف كولومبوس البحرية المشهودة التي انتهت باكتشاف القارة الأميركية سَفَرا في المكان وحسب، بل شكّلت نقطة انطلاق إلى عوالم زمن مغاير أسس لنشوء أمة على رقعة جغرافية قاريّة الامتداد، أمة تشكّلت من موزاييك بشري عماده ملايين من المهاجرين الذين تحدّروا من قوميات وأعراق وديانات العالم كافة، أمة عابرة لحدود الثابت والممكن في حالة عامة من التناغم الاجتماعي والتماهي في تيار الحريات الممتدّة التي لا تنقطع إلا عند مفرق انتهاك القانون – الابن الشرعي للدستور الذي خطّه الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأميركية، والذي يعتبر من أهم ما أنتجت وصدّرت إلى الشعوب، وبصماته تظهر ساطعة على معظم دساتير الديمقراطيات في العالم.

إلى الولايات المتحدة وصل فريد زكريا قادماً من مسقط الرأس الهند، متخذاً موطناً جديداً في تلك الساحة الغنية، جغرافياً وبشرياً، والتي ارتفع صرح حضارتها على أيدي المهاجرين إليها من بقاع الأرض كافة باحثين عن العلم أو العمل أو مستقبل أفضل لأولادهم في مناخ من الاستقرار والفرص المتاحة والمجتمع التعددي المفتوح على كافة القوميات والديانات. وصل زكريا إلى الولايات المتحدة ليأخذ بدوره نصيبه من العلم والفرص المتاحة لكل مجتهد طامح في الأرض الجديدة.

عالم ما بعد أميركا

اليابان تفتقر برأي زكريا إلى القوة البشرية اللازمة لقيادة العالم، علاوة على غياب ثقافة سياسية تؤهلها للعب دور كهذا. أما الاتحاد الأوروبي فتنقصه الوحدة القومية اللازمة، وهو لا يتصرف على الساحة الدولية كدولة واحدة. كما أن روسيا تواجه تحديات اقتصادية وسياسية داخلية هائلة
اليابان تفتقر برأي زكريا إلى القوة البشرية اللازمة لقيادة العالم، علاوة على غياب ثقافة سياسية تؤهلها للعب دور كهذا. أما الاتحاد الأوروبي فتنقصه الوحدة القومية اللازمة، وهو لا يتصرف على الساحة الدولية كدولة واحدة. كما أن روسيا تواجه تحديات اقتصادية وسياسية داخلية هائلة

ولد زكريا في العام 1964 في مدينة مومباي بالهند، لوالدين هنديين مسلمين عملا في عالم السياسة بصورة وثيقة. فوالده، رفيق زكريا، من السياسيين المنخرطين بالمؤتمر الوطني الهندي، أما والدته، فاطمة زكريا، فكانت محررة في صحيفة الصانداي تايمز الهندية.

التحق بمدرسة وكاتدرائية جون كونن في مومباي، وكان دوماً من الطلاب المتميزين. ثم انتقل إلى الولايات المتحدة لمتابعة دراساته العليا الجامعية حيث حصل على درجة ماجستير من جامعة ييل ثم درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفارد العريقة، حيث نهل علومه السياسية من أستاذين مفكرين هما البروفسور ستانلي هوفمان والمفكر صامويل هنتغتون.

باشر حياته المهنية كباحث في السياسات الخارجية الأميركية، ثم اتجه كلياً إلى الصحافة بمنصب مدير تحرير لمجلة فورين بوليسي، ليلتحق بعدها بأسرة مجلة نيوزويك ويتسلّم تحرير طبعتها الدولية. وهو يعمل اليوم مع تلفزيون “سي.أن.أن” مقدماً لبرنامج “جي.بي.أس” السياسي الأسبوعي، إلى جانب عمله الصحافي ككاتب مقال رأي سياسي في صحف واشنطن بوست ونيويورك تايمز ووول ستريت جورنال.

أما في السياق الأكاديمي فقد درّس زكريا مناهج العلاقات الدولية والفلسفة السياسية، وذلك بجامعات هارفارد، وكولومبيا، وكايس ويسترن. وهو مفكر سياسي له العديد من الكتب والمؤلفات التي تحمل نظريات جديدة ورؤية علمية معاصرة للأحداث السياسية في العالم ومن أهمها كتاب “مستقبل الحرية: الديمقراطية اللاليبرالية في الوطن والخارج“، و”عالم ما بعد أميركا”، و”في الدفاع عن التعليم الليبرالي“.

مستقبل القوى العظمى

يرى زكريا في كتابه “العالم ما بعد أميركا”، أن تشكّل الدولة الأميركية هيّأ لمرحلة من التحول البنيوي هو الأول من نوعه في صيرورة التاريخ الإنساني المعاصر؛ وأن هذا التحول شهد صعود القوى الغربية، الأوروبية بالأساس، باتجاه معارفَ وقيمِ ونظم جديدة.

بيد أن هذه المرحلة انتهت مع بداية بروز الولايات المتحدة كقوة عظمى جديدة في مستهل القرن التاسع عشر، ما يمثل في نظر زكريا التحول البنيوي الثاني في التاريخ العالمي الحديث. وعند هذا التحول الأخير تبدأ رحلة زكريا في كشف “العالم الجديد”، أي مستقبل العالم في ظل تحولات جوهرية جديدة.

ويسعى للإجابة على أسئلة كبرى تتعلق بمستقبل القوى العظمى والصاعدة في العالم، لاسيما إثر حروب أميركا الخارجية في أفغانستان والعراق، بين قائل بحتمية انهيار الإمبراطورية الأميركية كاعتقاد المؤرخ البريطاني بول كينيدي في كتابه “صعود وسقوط القوى العظمى”، وبين من يرى أن الولايات المتحدة الأميركية ستظل فاعلا أساساً في أي نظام دولي مستقبلي، كما يرى ريتشارد هاس في مقال شهير له عنوانه “عالم بلا أقطاب”.

القوى الصاعدة ضمن التحول العالمي الآن ليست جميعها قوى معادية للولايات المتحدة، كما يؤمن زكريا. ويضاف إلى ذلك أن الفضل الأكبر في صعود القوى العالمية الجديدة يعود، في جزء كبير منه، إلى السياسة الأميركية نفسها

 تعتمد رؤية زكريا على أن بعض الدول مثل الصين، والهند، والبرازيل، وروسيا قد تمكنت من تحقيق نتائج لم تكن مرتقبة على صعيد النمو الاقتصادي. كما يرى أن الولايات المتحدة لم تعد دولة متفوقة في العمران من حيث المباني الشاهقة، حيث يرتفع أعلى مبنى في العالم اليوم في إمارة دبي وهو “برج خليفة” كما أن أكبر مجموعة تجارية هي مؤسسة صينية.

 لكن كل هذه المقدمات لا تعني، بالضرورة، أن الولايات المتحدة ستفقد زعامتها العالمية. والأمر الذي يرجح هذا الاحتمال، عند زكريا، هو أن القوى الصاعدة ضمن التحول العالمي الحالي ليست جميعها قوى معادية للولايات المتحدة؛ يضاف إلى ذلك أن الفضل الأكبر في صعود القوى العالمية الجديدة يعود، في جزء كبير منه، إلى السياسة الأميركية نفسها. ويورد بهذا الخصوص أنه، خلال العقود الستة الماضية، لعبت الدبلوماسية والسياسة العالمية للولايات المتحدة دورا كبيرا في نشر اقتصاد السوق، وتمكين الحريات السياسية، وتوسيع التجارة العالمية، وتطوير التكنولوجيا والاتصالات؛ هذا بالإضافة إلى أن الاستفادة من الخبرات والكفاءات الأميركية عالميا، وفي مختلف المجالات، قد لعبت دورا كبيرا في صعود عدد من القوى العالمية الجديدة.

أما عن أسباب غياب المنافسة الحقيقية للدور الأميركي من طرف دول كالهند أو الصين رغم تحقيق هذه الأخيرة معدلات نمو اقتصادي كبيرة في السنوات الأخيرة، فيبررها زكريا بأن عائدات النمو الاقتصادي في هذه الدول تذهب في معظمها إلى مواجهة التحديات التي يطرحها النمو الديموغرافي المتزايد فيها، وهو ما يحول عمليا دون توجيه هذه العائدات نحو التصنيع العسكري أو التطوير التكنولوجي، وذلك في الوقت الذي تظل فيه الولايات المتحدة متفوقة على القوى الثلاث التي تليها مجتمعة؛ ألمانيا وبريطانيا واليابان، علاوة على اتسام الاقتصاد الأميركي بالدينامية، وعلى كون الولايات المتحدة من أكثر بلدان العالم “شباباً” من الناحية الديموغرافية، وأعظمها استقطابا للأدمغة والخبرات والروافد البشرية من بقاع الأرض كافة.

وإذا كان عامل النمو الديموغرافي يحول دون أن تلعب الصين أو الهند دور القوة العظمى التي تقود العالم، فإن اليابان تفتقر برأي زكريا إلى القوة البشرية اللازمة من حيث عدد السكان، ناهيك عن افتقارها إلى ثقافة سياسية تؤهلها للعب دور من هذا القبيل. أما الاتحاد الأوروبي، في نظر زكريا، فتنقصه الوحدة القومية اللازمة للعمل القيادي الدولي، وهو لا يتصرف على الساحة الدولية كدولة واحدة. كما أن روسيا تواجه تحديات اقتصادية وسياسية داخلية تمنعها من لعب أي دور كقوة تقود العالم.

الإرهاب والنظام العالمي

زكريا يرى أن تشكل الدولة الأميركية هيّأ لمرحلة من التحول البنيوي هو الأول من نوعه في التاريخ؛ متزامناً مع صعود القوى الغربية. غير أن هذه المرحلة انتهت
زكريا يرى أن تشكل الدولة الأميركية هيّأ لمرحلة من التحول البنيوي هو الأول من نوعه في التاريخ؛ متزامناً مع صعود القوى الغربية. غير أن هذه المرحلة انتهت

سمح النظام العالمي الحالي بظهور فاعلين جدد بأنماط مختلفة عن النمط التقليدي المتمثل في”الدولة القومية” باعتبارها الفاعل الذي ظل يحتكر  مجال السياسة الدولية في الماضي. ويذكر زكريا في هذا الصدد نماذج الجماعات الإرهابية المنظمة، وكذا الشركات العملاقة متعددة الجنسيات. ولا تغيب عنه تلك التحدّيات السياسية والدبلوماسية التي تواجه الولايات المتحدة، فالصين وروسيا أصبحتا فاعلين قويين في العديد من الملفات التي كانت حكراً على الولايات المتحدة لاسيما في منطقة الشرق الأوسط وفي كوريا الشمالية وفي القضايا الإيرانية المعلّقة.

 لكن زكريا يؤكد أنه لن يكون هناك نظام دولي من دون الولايات المتحدة؛ وأن دورها سيستمر في تحديد الأجندة الدولية، وترتيب أحجار شطرنج التحالفات لمواجهة الأزمات الدولية، وتعبئة الموارد، والقيام بدور الوسيط العالمي، في عالم يحاول أن ينأى بنفسه عن مشهدية القطب الأحادي. وهكذا يرسم زكريا صورة توضح أن الولايات المتحدة تحمل ما يلزم من الحيوية السياسية الجاذبة، وأنها ما زالت منيعة عن الإصابة بوهن وترهل الدول الشائخة، وهي ستبقى تدير الدفة الدولية لزمن لا يستهان بامتداده في الألفية الثالثة.

إيران وترامب

وفي برنامجه الأسبوعي الشهير “جي.بي.أس”، وهو البرنامج المتابع من الملايين في العالم، قدم زكريا حلقة مميزة مؤخراً، وكانت حلقة خاصة عن مقتل قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، في عملية نوعية قرب مطار بغداد الدولي نفذتها طائرات أميركية مسيّرة عن بعد بدقة هائلة. قال زكريا محللاً القوة وحجم النفوذ اللذين تمتع بهما سليماني في إيران وفيلق القدس الذي كان يقوده في الحرس اللثوري الإيراني “من الصعب تحديد حجم الإكبار الذي يحظى به قاسم سليماني في إيران. وفي ما عدا المرشد الأعلى، علي خامنئي، وربما رئيس الجمهورية، حسن روحاني، ينظر إليه على أنه الأبرز من أية شخصية والأكثر شجاعة وشعبية، وهو بالنسبة للطبقة الحاكمة مهندس السياسات الإيرانية الاستراتيجية في سوريا والعراق”.

وأضاف زكريا “حين كان الجنرال بتريوس في العراق أتذكر ما قاله لي بأن سليماني هو الشخص الرئيس الذي كان يصطدم مع القادة العسكريين الأميركيين، وفي مرحلة سابقة كان على القيادة الأميركية أن تفكر أكثر من مرة قبل اتخاذ قرار بمهاجمة أو عدم مهاجمة موكب وجد به سليماني، لأن هكذا قرار يعتبر قرارا كبيرا، واحتمال مقتل سليماني في الهجوم سيترتب عليه ردات فعل هائلة”.

إلا أن زكريا الذي يذكّر بشخصية المفكر الأميركي ذي الأصل الياباني فرانسيس فوكوياما، لا يمضي، مثل الأخير، على طول الخط في دعم السياسات الأميركية، فهو يصف الرئيس دونالد ترامب بأنه ”نمر من ورق“، مستشهداً بمواقفه في عدد من الملفات الخارجية بما فيها التهديدات التي وجهها إلى تركيا بعدم دخولها إلى سوريا وقبلها التهديدات التي وجهها إلى إيران، والتي كانت مجرد كلمات على الورق برأيه.

12