فريق نسائي لكرة القدم ينتزع إعجاب المجتمع المحافظ شمال سوريا

أهالي مدينة عامودا المحافظة استقبلوا اللاعبات اللواتي عدن من دمشق مع كأس الدوري السوري على وقع موسيقى الطبل والمزمار.
الأربعاء 2020/02/19
كرة القدم للفتيات أيضا

عامودا (سوريا) - طيلة سنوات، اعتادت سمر الشيخ أن تسمع من جيرانها وأقاربها الجملة ذاتها “كرة القدم للفتيان فقط”، إلا أنّ الأمر تغيّر كليا بعدما عادت وفريقها قبل أسابيع من دمشق مع كأس الدوري السوري الأول لكرة القدم للفتيات.

داخل ملعب في مدينة عامودا الواقعة تحت سيطرة الإدارة الكردية في شمال شرق سوريا، يكسو العشب الأخضر الاصطناعي أرضيته، تتدرّب سمر (20 عاما) مع زميلاتها في فريق يحمل اسم مدينتهن بحماس.

تقول، “منذ طفولتي وأنا متعلقة بكرة القدم، أحبها كثيرا، كنت أتابع إخوتي وهم يلعبونها” أمام المنزل.

في الخامسة عشرة من عمرها، بدأت سمر ممارسة كرة القدم تدريجيا، تدّربت وحدها قبل أن تنضم إلى فريق محلي، ثم ما لبثت أن ابتعدت عن ممارسة هوايتها المفضلة “لأن المجتمع يرفض فكرة ممارسة الفتيات لكرة القدم وبعدما تعرضت للكثير من الانتقادات من الأهل والجيران” وسط مجتمع محافظ إلى حدّ كبير.

في العام 2017، وبعدما تلقّت تشجيعاً من مدربها السابق، قررت العودة مجددا إلى الملعب “رغم الانتقادات” التي لاحقتها مجددا، تقول، “أصريت هذه المرة على قراري.. ولطالما احتفظت بأمل صغير وكنت أردّد دائماً أنّ الحال سيتغيّر رغم الأوضاع السيئة” منذ اندلاع النزاع الذي يوشك على إتمام عامه التاسع.

فرحة مضاعفة
فرحة مضاعفة 

في ساحة وسط مدينة عامودا، استقبل أهالي المدينة اللاعبات اللواتي عدن من دمشق مع كأس الدوري الوطني على وقع موسيقى الطبل والمزمار. وحمل العشرات هواتفهم الخلوية لتصوير الفتيات اللواتي اعترتهن الدهشة.

وتم تتويج فريق عامودا لكرة القدم النسائية، بطلا للدوري السوري في دورته الأولى، كما حقق الفريق إنجازين آخرين، بتتويج اللاعبة “سمر شيخ” كهدافة للدوري، وتتويج لاعبته منال حاجي كأفضل لاعبة في الدوري السوري.

وتأسس فريق سيدات عامودا لكرة القدم عام 2016، حيث يمتلك الفريق 8 لاعبات يلعبن ضمن منتخب سوريا للسيدات الذي شارك في الدورة الأخيرة من بطولة كأس الأمم الآسيوية للسيدات والتي نظمت في العام 2018 بالأردن.

تقول سمر، التي سجّلت 13 هدفا وأحرزت جائزة هدافة الدوري، الذي استضافته دمشق وانتهى في 27 يناير، بفرح “لم أصدق حشود الناس التي كانت في استقبالنا في شوارع المدينة وكيف احتفلوا بفوزنا”.

وتأمل سمر أن يكون فوزهن مقدمة لتألق رياضي على مستوى أكبر “بعدما تقدمت المرأة على كافة الأصعدة خلال الحرب وتُعرف المرأة الكردية بأنها مقاتلة” بعدما انضمت إلى صفوف المقاتلين الأكراد في شمال شرق البلاد.

بعد استراحة لمدة أسبوع فقط، عادت الفتيات إلى خوض التدريبات في الشهر الحالي.

في الملعب، تبدأ الفتيات تدريبهنّ بالركض، ثم تتنوع التمارين وتستمر لساعتين يوميا. عند كل استراحة، تتبادل اللاعبات الأحاديث والضحكات.

تواظب نوشان علي، 20 عاما، على الذهاب يوميا إلى وظيفتها كممرضة تخدير في مستشفى محلي من دون أن تنقطع عن التدريبات عصرا.

وتقول، “أنظم برنامجي بشكل جيد حتى أمارس هوايتي وإن كان الثمن الكثير من التعب”، قبل أن تضيف بحزم “إذا خيروني بين العمل والرياضة، سأختار كرة القدم طبعا، إنها كل شيء بالنسبة إلي”.

على جدران غرفتها، تعلّق اللاعبة دلاف حسين، 16 عاماً، صورلاعبي ولاعبات كرة القدم الأحب إلى قلبها، وأبرزهم كريستيانو رونالدو.

لم تواجه دلاف انتقادات من أسرتها بقدر مضايقات في الشارع “من بعض المارة حين يرون كرة القدم معنا”.

وتوضح أن أفراد عائلتها “كانوا يقولون لي إن الدراسة أهم.. ويوبخونني أحياناً”، مضيفة مع ابتسامة عريضة على وجهها “بعدما أحرزنا البطولة، انتهت هذه المعارضة”.

ولا يقتصر فرح اللاعبات على إحرازهنّ البطولة فحسب، بل لأنهنّ فرضنّ خيارهنّ على المجتمع وشجعنّ فتيات أخريات على الاقتداء بهنّ.

تتويج مستحق
تتويج مستحق 

وعبر شيخ ستيني من أهالي عامودا عن فرحته عند استقبال لاعبات فريق عامودا المتوجات أبطال سوريا، قائلا إنه “يوم تاريخي بالنسبة لعامودا وأهلها، وتحقيق البطولة مدعاة للفخر للجميع، خاصة أنه يأتي في ظل ظروف صعبة واستثنائية”.

وقال مساعد مدرب فريق سيدات “عامودا” دليل إربار، إن هذه الرياضة بدأت في الأحياء الشعبية، وكانت مرفوضة من قبل الكثير من الأهالي فأغلب الأمهات يتمسكن بالسلوك المحافظ، إلا أنها اليوم باتت مقبولة وهي لم تعد حكرا على الرجال.

وتشرح دلاف كيف شجع فوزهن الفتيات على الإقدام للمشاركة في لعبة كرة القدم، “بعد فوزنا، تأتي فتيات كثر لتسجيل أسمائهن في الفريق” وتلقي التمارين اللازمة.

ومازالت الشابة رولا رولا، 21 عاما، تتمنى أن يسمح لها والدها باللعب إلى جانب رفيقاتها وتنمية مهاراتها وهوايتها بعد أن منعها لأسباب مختلفة.

وقال الحاج زبير وهو أحد وجهاء عامودا، “من الجميل أن نشاهد بناتنا وفتيات عامودا يقتحمن عالم الرياضة الكروية، سنشجعهن وسندعمهن أيضا، ومن المعيب أن نبقى متأخرين عن غيرنا”.

ويتخطى حلم دلاف حدود سوريا، حيث “الظروف هنا صعبة وما من ملاعب كافية والإمكانيات قليلة”. وتقول “أتمنى أن ألعب يوما ما في فريق عالمي”، وهي أمنية غير مستحيلة فقد خاضت زميلتها تجربة الاحتراف في العراق.

20