فزاعة داعش تهدّد الانتفاضة العراقية

دخول التنظيم في شكل فعلي أو مفتعل على خط الاحتجاجات يصبّ في مصلحة النظام.
الجمعة 2020/02/14
قوة الانتفاضة في سلميتها

توقيت الإعلان عن إحباط مخطّط لتنظيم داعش لاستهداف ساحات الاعتصام والتظاهر في العراق يثير الريبة بشأن مصداقيته، حيث جاء بعد فشل السلطات في إنهاء الانتفاضة الشعبية بمختلف الوسائل الأمنية والسياسية، وتحوّل موجة الاحتجاجات إلى تحدّ حقيقي للنظام، الأمر الذي لا يُستبعد معه اللجوء إلى رفع فزاعة التنظيم المتشدّد لترهيب المحتجّين ولتبرير استخدام أقصى درجات القوّة ضدّهم، على اعتبار ذلك جزءا من حماية أمن البلاد.

بغداد – أثار “كشف” السلطات العراقية عمّا سمّته إحباط مخطّط كبير لتنظيم داعش لاستهداف المتظاهرين والقوّات الأمنية، مخاوف المحتجّين من لجوء السلطات نفسها إلى استخدام ورقة التنظيم المتشدّد لإنهاء الانتفاضة المتواصلة منذ أكتوبر الماضي ولم تنفع مختلف الوسائل الأمنية والمناورات السياسية في وقفها.

وقال مسؤول أمني عراقي كبير إنّ أجهزة الاستخبارات ومكافحة الإرهاب تمكّنت من إحباط مخطط لتنظيم داعش يستهدف القوات الأمنية والمتظاهرين في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب لإثارة الفتنة.

ورأى مصدر عراقي قريب من الحراك الشعبي، أنّ الإعلان عن “المخطّط” المذكور “يرتقي إلى مرتبة تهديد للمتظاهرين والمعتصمين بأنّه لا يوجد ضمان لسلامتهم وأنّ تجمّعاتهم قد تتعرّض لتفجيرات بعبوات ناسفة أو بعربات ودرّاجات نارية مفخّخة”.

ولفت نفس المصدر الذي طلب عدم الكشف عن اسمه مخافة الملاحقة الأمنية إلى أنّ “توقيت الإعلان عن إحباط المخطّط يضاعف الشكوك في مصداقيته”، حيث “جاء إثر فشل حملة أمنية كبيرة لإنهاء الاحتجاجات وفض الاعتصامات اشتركت فيها القوات الأمنية جنبا إلى جنب ميليشيا مقتدى الصدر المعروفة بالقبعات الزرق، وبعد سلسلة من المناورات السياسية من ضمنها تكليف محمّد توفيق علاّوي تشكيل حكومة جديدة خلفا لحكومة رئيس الوزراء المستقيل عادل عبدالمهدي، ومحاولة تسويق علاّوي المشارك في حكومات سابقة والمدعوم من أحزاب شيعية، كمستقّل ومقرّب من الحراك الشعبي وهو ما رفضه المحتّجون بشدّة، مصرّين على مواصلة حراكهم حتى إحداث
تغيير جذري في المشهد السياسي بالبلاد”.

أثيل النجيفي: الممارسات التي أوجدت داعش تتكرر ضد المجتمع الشيعي
أثيل النجيفي: الممارسات التي أوجدت داعش تتكرر ضد المجتمع الشيعي

ونقلت وسائل إعلام محليّة عراقية الخميس عن رئيس خلية الصقور الاستخبارية أبوعلي البصري قوله إنّه تمّ “إحباط أخطر عملية إرهابية خطط لها تنظيم داعش للقيام بتفجيرات تستهدف القوات الأمنية والمتظاهرين في بغداد والمحافظات لإثارة الفوضى والفتن والاقتتال الداخلي لحصد المزيد من الأرواح”.

وأضاف متحدّثا لصحيفة “الصباح” المحلّية أنّه تمّ اعتقال المسؤول عن التوجيه والتنفيذ للمجموعة المكلّفة بالعمليات الإرهابية ضد القوات الأمنية والمتظاهرين، وهو أحد أبرز القادة في العصابات، وسيتم عرض اعترافاته كاملة بعد إكمال التحري والتحقيق وإحالته للقضاء.

واعتبر المصدر ذاته أنّ افتعال تفجيرات إرهابية تستهدف ساحات الاعتصام والتظاهر ويمكن “التضحية” خلالها ببعض العناصر الأمنية أمر غير مستبعد بالنظر إلى درجة العنف التي مورست من قبل على المحتجّين وأودت بحياة المئات منهم إضافة إلى جرح الآلاف.

ويتركّز الحراك الاحتجاجي غير المسبوق في العراق بشكل أساسي في العاصمة بغداد وأكبر مدن الجنوب الموطن الرئيسي للطائفة الشيعية في البلاد.

وعدا عن نجاح تنظيم داعش في اختراق العاصمة وتنفيذ عدّة عمليات دموية داخلها، فإنّ ظهوره في محافظات الجنوب نادر نظرا لافتقاره للحاضنة الشعبية هناك على العكس من محافظات غرب العراق وشماله حيث نجح التنظيم في إغراء أعداد من أبناء الطائفة السنيّة الناقمين على حالة التهميش والإفقار التي تعرّضت لها مناطقهم تحت حكم الأحزاب الشيعية للبلاد.

وشهدت تلك المناطق حربا ضارية ضدّ داعش استمرت من سنة 2014 تاريخ سيطرته على مساحات شاسعة من تلك المناطق، وحتى هزيمته سنة 2017. ومع ذلك ما يزال يحتفظ له بخلايا نائمة تقوم من حين إلى آخر بتنفيذ عمليات تفجير وقتل واختطاف، حيث أفاد مصدر أمني عراقي، الخميس، بمقتل شخصين بهجوم شنه عناصر من داعش على قضاء خانقين بمحافظة ديالى شرقي العراق. وقال النقيب هيمن رسول من شرطة القضاء لوكالة الأناضول، إنّ “مجموعة من عناصر تنظيم داعش شنوا هجوما في وقت متأخر من ليلة الأربعاء – الخميس على قرية بهار تازه ضمن حدود قضاء خانقين”.

وأضاف، أن الهجوم أدى إلى مقتل رجل وابنه من الطائفة الكاكائية وإصابة 9 أشخاص آخرين بجروح بينهم عناصر من القوات الأمنية. ويقول السياسي السنّي أثيل النجيفي، إنّ “قمع التظاهرات بأيّ طريقة سيفتح الباب لأزمة لن تنتهي إلاّ بنهر من الدماء. فمازالت الأحزاب الدينية لا تفهم بأن داعش كان نتيجة أسباب يكرّرها (قادة تلك الأحزاب) اليوم مع المجتمع الشيعي كما سبق أن فعلوها مع المجتمع السنّي”.

عراقيات يدعمن الإنتفاضة
عراقيات يدعمن الإنتفاضة

ويقول متابعون للشأن العراقي إنّ دخول تنظيم داعش بشكل حقيقي أو إدخاله بشكل مفتعل على خطّ الانتفاضة في العراق سيصبّ بشكل كامل في مصلحة النظام والميليشيات الشيعية الداعمة له، حيث سيحوّل الوضع من خانة الاحتجاج والتظاهر والاعتصام، إلى مربّع الحرب التي تمتلك القوات الأمنية والميليشيات الرديفة لها كلّ وسائل حسمها والانتصار فيها.

ومنيت إلى حدّ الآن مختلف جهود إنهاء الانتفاضة العراقية، سواء بالوسائل الأمنية أو السياسية بفشل ذريع، حيث لم تؤثّر موجة القمع الشديد على عزيمة المحتجّين على مواصلة حراكهم حتى تحقيق مطالبهم ومن ضمنها إسقاط الطبقة الحاكمة وإنهاء الفساد وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

وتظاهر، الخميس، الآلاف من النساء العراقيات في شوارع بغداد والبصرة والناصرية للتعبير عن دعم الاحتجاجات التي تشهدها بغداد وتسع محافظات للشهر الخامس على التوالي.

وحملت النساء المشاركات في المظاهرات أعلام العراق وصورا لفتيات قتلن خلال المظاهرات الاحتجاجية وهتفن بشعارات “بالروح بالدم نفديك يا عراق” و”ثورة نسائية ثورة سلمية”، كما طالبن في هتافاتهن بتحقيق مطالب المتظاهرين وإعادة بناء العملية السياسية وتشكيل حكومة تمهّد لانتخابات مبكرة. وأكدت المتظاهرات استمرارهن بالتواجد داخل ساحات التظاهر وتقديم العون الطبي والخدمي للمتظاهرين. ولم يسبق للعراق أن شهد تظاهرات نسائية سلمية مثلما حدث الخميس، حيث اكتظت بهنّ ساحات التظاهر في التحرير والحبوبي والبحرية ببغداد وساحات أخرى في المحافظات، وذلك في عملية تحدّ واضحة لمختلف مظاهر القمع والترهيب التي مارستها القوات الأمنية والميليشيات الشيعية، وتهدّد باستخدام المزيد منها.

3