فساد المؤسسات وغياب المبدعين وراء تراجع السينما المصرية

كثيرا ما يقال إن دخل مصر من صناعة السينما، أي من تصدير الأفلام إلى الخارج، كان في الماضي، يأتي في المرتبة الثانية بعد عائدات تصدير القطن، ومن المعروف أن القطن كان المصدر الأول للدخل القومي المصري، ولكن ربما كان هذا في الأربعينات وأوائل الخمسينات من القرن العشرين، قبل تأميم قناة السويس وقبل اكتشاف البترول، والبدء في خطة طموحة للتصنيع.
الجمعة 2015/05/08
السينما المصرية الجديدة تتنكر لتاريخها بأفلام هابطة

لا أحد، قال متى عرف الإنتاج السينمائي المصري ذروته من حيث الدخل العائد للدولة، ومتى تحديدا بدأ تراجع الفيلم المصري إذا افترضنا أنه تراجع أو أن تراجعه أمر حديث، وكم من الزمن استمر عائد تصدير الأفلام المصدر الثاني بعد القطن، وكم كان يبلغ الدخل من تصدير الأفلام بالضبط، وأي البلدان كانت تستورد الفيلم المصري، وما هي الأسباب التي أدّت إلى هبوط التصدير ثم توقفه؟

نعم، ربما كانت مصر تنتج في الأربعينات والنصف الأول من الخمسينات، عددا كبيرا من الأفلام سنويا لم تصل إليه بعد ذلك، لكن ازدهار صناعة السينما في الأربعينات كان مرتبطا بتضخم ثروات “تجار الحرب” الذين دخلوا إلى تلك الصناعة الناشئة، فطغوا على الإنتاج وفرضوا نمطا استهلاكيا متدنيا من الأفلام، وكان المناخ مهيّئا للإقبال على التسلية في أدنى صورها، من أجل نسيان حالة القلق والتوتر بسبب ما خلقته الحرب.

ومع ذلك فتلك الفترة التي يتباكى عليها الكثيرون كانت أسوأ مرحلة في تاريخ السينما المصرية، فقد سيطر تجار الحديد الخردة والخيش والإطارات القديمة على صناعة السينما، وفرضوا شروطهم المعروفة ومنها ضرورة وجود عدة رقصات في الفيلم، وعدد من الأغاني، وبعض المشاجرات والمشاهد الهزلية.

عشوائية الإنتاج

ما نشهده في السينما المصرية حاليا يعيدنا مجددا إلى تلك الأجواء، بعد أن انسحب معظم المنتجين الجادين الذين يفهمون في الصناعة، من السوق، مع سيطرة تجار اللحوم والمخدرات، الذين يمولون الأفلام الرديئة ورخيصة التكاليف بالجملة، فارضين نوعا مبتذلا من الصور والمناظر النمطية التي تستنسخ ما ساد في سينما “أثرياء الحرب”.

هجمة التجار الذين لا صلة لهم بفن السينما، أدت إلى غلبة الفيلم الذي يعتمد أكبر كم من التهريج باسم الكوميديا

غاب إذن المنتج الحقيقي عن الساحة، في انتظار استقرار السوق المضطربة بفعل التقلبات السياسية المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات، وكانت نوعية الأفلام المبتذلة قد أدت إلى توقف الأسرة المصرية عن التردد على دور السينما، ثم تقلص الإقبال أكثر مع غزو الفيديو ثم الإسطوانات المدمجة، ثم ظهور القنوات الفضائية المتعددة التي تعرض الأفلام القديمة والجديدة بانتظام.

في الوقت الحالي يحتكر أيضا عدد محدود من الموزعين لا يزيد عن ثلاثة أو أربعة، توزيع الفيلم المصري في دور العرض المتوفرة حاليا بعد أن أغلقت العشرات منها، مع هيمنة فكرة أن السينما حرام، واستسلام الشارع المصري طويلا لدعوات المتأسلمين المؤدلجين.

هجمة التجار الذين لا صلة لهم بفن السينما، أدّت أيضا إلى غلبة نوع واحد من الأفلام هو الفيلم الذي يعتمد أكبر كم من التهريج باسم الكوميديا، وفيه يعتمد الممثل على المغالاة في إظهار عيوبه، والمبالغة في استخدام صوته، بهدف إضحاك المشاهدين عليه وليس على الموقف الدرامي الذي يشارك فيه.

بعد رحيل أهم أبناء الأجيال التي أسست للفيلم كفن سينمائي وليس كصنعة فقط، أمثال يوسف شاهين وعزالدين ذو الفقار وتوفيق صالح وصلاح أبوسيف وبركات وعاطف سالم وحسين كمال وسعيد مروزق وعاطف الطيب ونادر جلال، لم يبق في الساحة حاليا سوى عدد محدود من مخرجي السينما الجادة مثل محمد خان وداود عبدالسيد وعلي بدرخان وخيري بشارة، ولكن معظم هؤلاء لا يعملون سوى نادرا، وقد تحول معظمهم إلى إخراج المسلسلات التلفزيونية.

غياب المبدعين

من ضمن مشاكل الفيلم المصري أنه يراهن على سوق داخلية تتدنى باستمرار، نتيجة غياب الثقافة السينمائية وتقاعس النقاد عن أداء مهمتهم

لا شك أن غياب المخرج الفنان صاحب البصمة السينمائية المميزة، الذي يتعامل مع الفيلم كمنتج فني، وراء غياب الأفلام الفنية وتراجع سمعة الفيلم المصري، لولا ظهور جيل جديد من المخرجين الذين يطلقون على أنفسهم مخرجي السينما المستقلة مثل إبراهيم البطوط وهالة لطفي وأحـمد عـبدالله. ومع ذلك تبقى مشكلة أفلام هؤلاء أنها لا تصل إلى الجمهور، بسبب طبيعة إنتاجها خارج الأطر المعروفة، مما يؤدي عادة، إلى تهميشها وإقصائها.

في الوقت نفسه يعاني معهد القاهرة للسينما من مشكلة كون الغالبية العظمى من أساتذته لا علاقة لهم بالعمل السينمائي الفعلي، خصوصا أساتذة الإخراج، فهم إما أنهم مخرجون فشلت الأفلام القليلة التي أخرجوها على المستويين، الفني والجماهيري، أو أنهم لا يخرجون الأفلام أصلا، اكتفاء بتدريس الإخراج كمادة نظرية، أي لا يوجد لديهم رصيد يمكنهم البناء عليه واتخاذه مثالا أمام طلابهم.

ومع المقارنة مع ما كان قائما في الماضي نجد أن من بين أساتذة المعهد في الستينات، يوسف شاهين وصلاح أبوسيف وتوفيق صالح وعلي الزرقاني، كما كان المعهد يستعين بأساتذة زائرين من الأجانب، من كندا وإيطاليا، يأتون بتعاقدات خاصة للتدريس.

حاليا يعاني المعهد أيضا من تدهور الأجهزة المتاحة وعدم توفر المواد الخام التي تتيح للطلاب تنفيذ أفلامهم، كما يعتمد قبول الطلاب على الوساطة والمعرفة الشخصية ويُطلب توفير ميزانية إنتاج مشاريع تخرّجهم من المعهد.

بوجه عام يتخرج من المعهد حاليا حرفيون ليسوا فنانين بالمعنى الإبداعي، يعرفون قيمة السينما كفن من الفنون الرفيعة، فالطالب يحتاج أساسا إلى شهادة من المعهد لكي تتاح له فرصة العمل في “السوق”، وقلما يظهر من بين خريجي المعهد مخرج مبدع يتمتع بموهبة حقيقية.

دور الدولة

يتباكى كثيرون على غياب دور الدولة وتقاعسها عن الدخول كطرف رئيسي في إنتاج الأفلام كما كانت تفعل في الماضي، في عهد الدولة الناصرية، ناسين أن الدولة عندما تتدخل في إنتاج الأفلام، فإنما تفعل لخدمة أهدافها الأيديولوجية، ومع العشوائية السياسية القائمة وغياب فكر سياسي محدد في المجتمع، لا يبدو أن الدولة ترحب بالتورط في إنتاج الأفلام، ومن الناحية الاقتصادية، كيف تنتج الدولة وهي تتبنى منذ السبعينات اقتصاد السوق المفتوحة.

غياب المخرج الفنان صاحب البصمة السينمائية المميزة، وراء انقراض الأفلام الفنية وتراجع سمعة الفيلم المصري

أفضل ما يمكن للدولة القيام به هو أن تتبنى النموذج الفرنسي في تقديم دعم مادي للأفلام الفنية الطموحة، لكن فساد مؤسسات الثقافة الرسمية في مصر يجعل هذا الدعم، لا يذهب إلى من يستحقونه، مع اتساع نطاق الرشاوى التي تفرض على السينمائيين الراغبين في الحصول على الدعم، كما أن الدعم لا يتجاوز 20 في المائة من ميزانية الفيلم، في انتظار أن يقدم منتج خاص باقي الميزانية المطلوبة لإنتاجه.

كانت لوزارة الثقافة المصرية تجربة وحيدة منذ سنوات، عندما تحمس الوزير الأسبق فاروق حسني لسيناريو فيلم “المسافر” لمخرج مغمور، كان يقدم فيلمه الطويل الأول، ورصدت له ميزانية بلغت 24 مليون جنيه، أي أنها تجاوزت قيمة ما يقدم من الدعم لعشرة أفلام أو أكثر سنويا، لكن الفيلم فشل في تحقيق الهدف من إنتاجه، أي الحصول على جائزة في أي مهرجان دولي، كما فشل فشلا ذريعا في السوق المصرية.

وقد بلغت التجاوزات المالية التي وقعت أثناء إنتاج فيلم “المسافر” حدّا بالغ الخطورة، ويوجد حاليا ملف كامل بتلك التجاوزات، لكن لا أحد يتحمس لتقديمه إلى القضاء، لأن ما يتضمنه قد يمس الكثير من المسؤولين الحاليين والسابقين.

من ضمن مشاكل الفيلم المصري أنه يراهن على سوق داخلية تتدنى باستمرار، نتيجة غياب الثقافة السينمائية وتقاعس النقاد عن أداء مهمتهم، فهم يكتفون بالكتابة عن الأفلام بالمديح في معظم الأحوال، متغاضين عن الكثير من الأفلام الرديئة، مع المبالغة في كيل المديح لأفلام لو عرضت في أي محفل دولي لأثارت السخرية، ومعظمهم لا يتعرض قط لما هو قائم من فساد في المؤسسات الرسمية حفاظا على مصالحهم.

16