فساد المجالس المحلية يجهض جهود التنمية في مصر

تعد المحليات في مصر رمزا فجا للفساد والمحسوبية، بعد أن تفشت فيها الرشاوى والسرقات، ووصلت لمجالات حيوية مثل استخراج تصريحات للبناء ونقل الملكية وغيرهما دون طرق قانونية.
الاثنين 2018/04/30
بنية تحتية متردية في مصر

القاهرة - كشف تعامل الأجهزة المحلية بمدينة القاهرة الجديدة (شمال شرق القاهرة)، مع الأمطار التي شهدتها المنطقة، عن أزمة إدارة محلية كبيرة تعاني منها البلاد، لم يلتفت لها المسؤولون منذ سنوات طويلة، في وقت ركزوا جهودهم على مشروعات طويلة الأمد من دون تحقيق تهيئة حقيقية للبنية الإدارية التحتية للحفاظ عليها.

ودفع توالي أزمات الإدارات المحلية المختلفة رئيس البرلمان المصري علي عبدالعال، للتأكيد على أن إلغاءها أفضل من بقائها، وهو ما يكشف بدوره عن رؤية حكومية فاشلة لهذا القطاع اتجهت للاعتماد على جهات إدارية غير تابعة له للتعامل مع الأزمات التي يواجهها دون أن تبحث عن خطوات تدريجية تغير الوضع القائم.

ويعد توالي أزمات الإدارة المحلية في محافظات مختلفة، إرثا قديما نتيجة الفشل في تحديد الأولويات عند الشروع في عمليات التنمية. وتعاني الإدارة المحلية من ارتكانها على أسلوب عقيم يتسم بالمركزية في اتخاذ القرار وازدواجية السلطة، مع احتفاظها ببناء هرمي يبدأ بالمحافظة وينتهي بالقرية الصغيرة، ما يعد مدخلا لتفشي الفساد في قاعدة الهرم وقمته في أحيان كثيرة.

 كما يعاني هذا النظام من مشكلات في الجانب الوظيفي لأكثر من أربعة ملايين موظف يعملون تحت إداراته، في ظل عدم وجود نظام متكامل للتوصيف الوظيفي أو هيكل لإحلال وتنمية الموارد البشرية، ما أدى إلى غياب اختيار القيادات على أسس موضوعية.

وأكد خبراء في التنمية عجز أي نظام سياسي عن قيادة هذه المنظومة وتطويعها لعملية التنمية التي تسعى إليها الدولة في الوقت الحالي، وكان ذلك دافعا للارتكان على القوات المسلحة في تنفيذ العديد من المشروعات، غير أن ذلك لم يعالج المشكلة الأساسية، بل زاد من عدم توجيه الاهتمام إليها للدرجة التي أصبحت تمثل خطرا يهدد المنظومة الإدارية للدولة بالكامل.

ولعل ما أفرزت عنه نتائج التحقيقات التي أجرتها هيئة الرقابة الإدارية (حكومية مختصة بمواجهة الفساد الإداري)، للتعرف على أسباب غرق بعض المناطق الحديثة بالأمطار والتي يقطنها عدد من الوزراء ورجال الأعمال وكبار المسؤولين، يكشف بشكل دقيق ما تعانيه إدارات الحكم المحلي في مصر.

أشرف عبدالوهاب: الإصلاح الإداري للمحليات يتطلب إدخال إصلاحات قانونية تضمن الالتزام به
أشرف عبدالوهاب: الإصلاح الإداري للمحليات يتطلب إدخال إصلاحات قانونية تضمن الالتزام به

وتعد المحليات في مصر رمزا فجا للفساد والمحسوبية، بعد أن تفشت فيها الرشاوى والسرقات، ووصلت لمجالات حيوية مثل استخراج تصريحات للبناء ونقل الملكية وغيرهما دون طرق قانونية، وهو ما تسبب في الكثير من الأزمات بعضها وصل إلى حد خسائر كبيرة في الأرواح البشرية.

وتقدر إحصاءات معهد التخطيط القومي (حكومي) الخسائر المترتبة على فساد الإدارات المحلية وتأثيره المباشر علي الاقتصاد بنحو 3 مليار دولار، ما يؤدي إلى تراجع ترتيب الاقتصاد المصري في تقرير التنافسية العالمية، وهروب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية نتيجة معاناة المستثمر في إنهاء إجراءات مشروعه.

ويرى متابعون أن الوضع الحالي لا ينفصل عن وجود رغبة سياسية أرادت بقاء الأمور على ما هي عليه منذ سنوات طويلة، لأنها كانت أحد المداخل لبناء شعبية الحزب الوطني المنحل على مدار ثلاثين عاما تواجد فيها على رأس السلطة الحاكمة للبلاد، بفعل تدخلاته في بنيتها الأساسية وعبر اختيار القيادات المشرفة عليها بما يضمن تحقيق مصالحه. وهو ما نتج عنه تشكيل غالبية الإدارات بالمحسوبية وليس لعامل الكفاءة.

وذهب حسن سلامة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، للتأكيد على أن هناك جملة من التخوفات والمحاذير التي دفعت الحكومات المتعاقبة لترك أوضاع الإدارات المحلية كما هو عليه الحال الآن، أبرزها يرتبط بالاقتناع بأن التوسع في اللامركزية لن يؤدي إلى حل المشكلات.

وأضاف في تصريحات لـ“العرب” أن التمسك بالمركزية الحالية له أسبابه السياسية والتي ترتبط بالتخوف من التمهيد لنشر دعوات خارجية تطالب بانفصال الأقاليم الحدودية عن الدولة المصرية.

وبالتالي فجميع التعديلات التي تم إدخالها على الدستور المصري الحالي لم تنص صراحة على لامركزية سياسية لأي منها واقتصرت على تطبيق تدريجي للامركزية الإدارية والمالية والاقتصادية. ويعد التأخر في إقرار قانون جديد للإدارة المحلية، أحد أسباب استمرار هذه الأوضاع، لكن في حال إقراره سيحدد طبيعة إجراء انتخابات المجالس الشعبية المحلية والتي تتولى الرقابة على السلطة التنفيذية، بعد أن ظلت تعمل دون رقيب شعبي عليها منذ أن تم حل آخر مجالس منتخبة في العام 2011.

واستخدم الدستور المصري باستمرار مصطلح الإدارة المحلية بدلا من مصطلح الحكم المحلي، ولا يجوز للمجلس المحلي في ظل هذه الإدارة مساءلة القيادات التنفيذية.

وقال أشرف عبدالوهاب وزير التنمية الإدارية الأسبق، إن الإصلاح الإداري للمحليات يتطلب إدخال إصلاحات قانونية تضمن الالتزام به، فهناك حزمة من القوانين تتعلق بضمان نزاهة عمله تضع قيودا رقابية بشكل أكبر على قياداته، وبالتوازي مع ذلك يجب أن يكون هناك إصلاح مؤسسي لتلك الإدارات يعتمد على التكنولوجيا ويحد من التعامل البشري المباشر.

وأضاف في تصريحات لـ“العرب” أن الحكومة تجد صعوبات كبيرة في التحول نحو اللامركزية، بسبب ضعف خططها التي تهدف إلى الانتقال التدريجي نحوها، ولعدم وجود ثقافة بين الموظفين تنقلهم من منفذين للقرارات إلى وضع الخطط اللازمة للتنمية داخل المناطق التي يعملون فيها.

6