فساد المعنى

"العشوائيات الأدبية" تلك التي باتت تنبت كالفطر على هامش المشاريع الأدبية القوية والمقنعة، ويكون القصد منها الابتزاز، والرغبة في جني ثمار دون وجه حق.
الأربعاء 2019/04/10
الفساد ليس له وجود بذاته، وإنما بصفاته تلك التي لا تبرز للعيان

من كثرة تردد عبارة “الفساد الثقافي”، في سياقات متعددة، ومتعارضة أحيانا، أصبحت فاقدة لجوهر معناها. يمكن مبدئيا أن نفهم أن المقصود هو  اللجوء إلى “الرشوة”، بشتى تجلياتها، في قضاء مآرب أدبية وفنية؛ من قبيل النشر والحضور في ندوات ومعارض ومؤتمرات، أو الحصول على حظوة ثقافية دونما استحقاق، كأن يدعى شاعر إلى مهرجان وليس له من صفات الشاعر سوى أنه أصدر مطبوعات أساءت استعمال الورق، أو أن يسلق ناقد على عجل وليس له من المواهب إلا إتقان القفز على الحواجز، ليعتلي المنبر رفقة من له وضع رمزي بني عبر عقود من الاجتهاد ومكابدة الوجود في مشهد أدبي صعب.

والشيء الأكيد أن النتيجة المباشرة لمثل هذا الاختراق هي إفقاد الحقل الثقافي برمته القدرة على الاحتكام لمعايير ثابتة، فالجيد جيد والرديء رديء، وما بينهما فساد وتعمية، إنما الأكثر خطورة وهو إفقاد الثقة لدى شريحة واسعة من المتلقين في جوهر الأدب والفنون، وإشاعة نوع من الارتياب العميق في كل وافد جديد، بحيث تتكرس تدريجيا نظرة ماضوية للإبداع تقرنه بالناجز دون غيره.

هي ظواهر تتكرر دوما وتجد لها مبررات في أحوال كثيرة لدى من يناصرونها، بيد أنه إذا ما تركنا الظاهرة المتصلة بهذا التعريف المخصوص للفساد الثقافي، وحاولنا أن نقارب العبارة في سياقها التداولي، فإن مما يلفت الانتباه أنها أضحت مكونا جوهريا في لغة الخشب التي تضج بها مجتمعات الأدب والفنون، حيث أن عددا كبيرا ممن بات يستعمل الكلمة قادم مما يمكن وسمه: بـ”العشوائيات الأدبية”، تلك التي باتت تنبت كالفطر على هامش المشاريع الأدبية القوية والمقنعة، ويكون القصد منها الابتزاز، والرغبة في جني ثمار دون وجه حق، عن جهد غير مبذول، بناء على قناعة فاسدة ترى أن الكتابة متماثلة بما أن حصيلتها هي “إصدار الكتب”، وأن التشكيل واحد مفاده “صباغة الأقمشة والأوراق”، وفي هذا فليتنافس المتنافسون في اجتلاب المنافع، واقتسام المال بالعدالة والمساواة.

أذكر في هذا السياق أنه في عدد كبير من لجان تحضير مؤتمرات أدبية وفنية سبق أن شاركت فيها، كان يحضر دوما هاجس الخوف من تكرار بعض الأسماء التي لها قيمة إبداعية ثابتة، فقط لأن القادمين من العشوائيات يمكن أن يعتبروا الأمر ريعا ثقافيا.

لهذا وجدتني أحيانا أتمثل عبارة “الفساد الثقافي” ليس بوصفها تنديدا بخلل طارئ، يهدد المجال الأدبي والفني، وإنما من حيث هي سعي إلى تأميمه، فالفساد ليس له وجود بذاته، وإنما بصفاته تلك التي لا تبرز للعيان، في حالات كثيرة، إلا في حال عجزه عن استيعاب المنادين بإسقاطه.

15