فساد المناقصات العامة يستنزف الاقتصاد التونسي

خبراء الاقتصاد يجمعون على أن الحرب التي أطلقتها تونس على الفساد لا تزال تسير ببطء شديد، وخاصة في ما يتعلق بالمناقصات الحكومية.
الاثنين 2018/04/02
محاولات شاقة لرصد دروب الأموال الحكومية

تونس – كشفت بيانات حديثة صادمة عن عجز الحكومة التونسية في بناء أرضية صلبة لمكافحة الفساد بعد قرابة عام من إعلانها الحرب على اللوبيات التي تنخر في الخفاء اقتصاد البلاد المنهك.

وأكد رئيس الهيئة شوقي الطبيب خلال ملتقى عقد في مدينة القيروان أن ربع مناقصات المشاريع الحكومية يلتهمها لوبي من الفاسدين، وأن تلك الخسائر تأتي نتيجة لسوء تصرف المسؤولين، وهو ما يثقل الموازنة ويجعل الدولة في عجز دائم.

ويشير هذا الرقم إلى أن حجم الفساد في المناقصات اتخذ منحى تصاعديا، حيث سجلت الدوائر الاقتصادية الرسمية في السنوات الخمس الأولى من الإطاحة ببن علي تحايلا كبيرا في حدود 18 بالمئة فقط.

وتأتي تصريحات الطبيب في انسجام مع موقف الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر النقابات العمالية في البلاد، والذي لطالما شكك في عمليات التوظيف في القطاع العام والصفقات التي تعلن عنها الدولة لإنجاز المشاريع الحكومية.

وزاد منسوب الفساد الإداري والمالي والتهريب في جميع مفاصل الدولة منذ 2011 بشكل لم يعد معه يمكن التغاضي عنه باعتباره أحد أبرز العوامل التي تكبل النمو، فالبيانات تشير إلى أن الخسائر السنوية للبلاد تقدر بنحو 830 مليون دولار كل عام.

ويؤكد اقتصاديون وخبراء أن تفشي الفساد الإداري في العديد من هياكل الدولة أدى أيضا إلى تفاقم ظاهرة التجارة الموازية التي كبدت خزينة الدولة خسائر بالمليارات من الدولارات سنويا في الأعوام السبعة الأخيرة.

وانتقد الطبيب تراخي الحكومة في عدم تخصيص 100 مليون دينار (41 مليون دولار) سنويا لمكافحة الفساد يتم توزيعها على القضاء وهيئات الرقابة والمنظمات التي تعمل في المجال، بما فيها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد من أجل إغلاق أبواب استفحال هذه الظاهرة.

شوقي الطبيب: 25 بالمئة من قيمة المناقصات في القطاع العام تذهب لجيوب الفاسدين
شوقي الطبيب: 25 بالمئة من قيمة المناقصات في القطاع العام تذهب لجيوب الفاسدين

وقال إن الدولة “لا تريد الاستثمار في مكافحة الفساد”، مستدلا على ذلك بموازنة الهيئة التي لا تتجاوز حاجز 2.5 مليون دينار (مليون دولار) سنويا فضلا عن موازنة دائرة المحاسبات التي لا تتجاوز مليون دينار (410 ألف دولار).

ويتسبب الفساد نتيجة لذلك التقاعس، في خسائر كبيرة للدولة على غرار خسائر ميناء رادس والتي تصل لنحو 900 مليون دينار (372 مليون دولار) سنويا، فضلا عن خسائر الشركات الحكومية نتيجة غياب الحوكمة، والتي تبلغ 700 مليون دينار (289 مليون دينار) سنويا.

وكان الخبير معز الجودي رئيس الجمعية التونسية للحوكمة، قد قدر في تصريحات سابقة لـ”العرب”، خسائر تونس جراء سوء الحوكمة والفساد الذي ينخر الاقتصاد، من 3 إلى 4 نقاط مئوية من معدلات النمو سنويا.

وشكك الطبيب في قدرة الحكومة على النجاح في معركتها ضد الفساد في ظل وجود قوانين تبيح الإفلات من العقاب.

وقال إن “قانون الجمارك الحالي والذي يتم تطبيقه منذ عقد من الزمن يتضمن 48 بندا تم سنها على مقاس العائلة المالكة في النظام السابق ومازالت سارية المفعول حتى الآن وتستفيد منها عدة أطراف”.

ويفجر تواصل عمليات التهريب إلى تونس عبر المنافذ الحدودية الجدل باستمرار بشأن قدرة الحكومة على التصدي لظاهرة الاقتصاد الموازي ضمن خطة شاملة كان قد أعلن عنها يوسف الشاهد لتعزيز خزينة الدولة “الفارغة” منذ توليه رئاسة الحكومة.

وجاءت تونس في المركز الـ74 العام الماضي على مؤشر مدركات الفساد الذي أعلنت عنه منظمة الشفافية الدولية مطلع فبراير الماضي، من إجمالي 180 متقدمة بدرجة واحدة مقارنة بالعام السابق، في حين احتلت المركز السادس بين دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وقالت منال بن عاشور المسؤولة في منظمة “أنا يقظ”، الفرع التونسي لمنظمة الشفافية الدولية، حينها إن “تقدم تونس على المؤشر يبدو ضعيفا مقارنة بما أظهرته الحكومة من تحمس كبير لمكافحة الفساد عندما أعلنت عن خطتها في مايو 2017”.

واعتبرت أن ذلك كان متوقعا بالنظر إلى مظاهر الفساد في القطاع العام والمتمثلة في الرشوة واختلاس أموال والإفلات من العقاب وتعثر في قدرة الحكومات على احتواء الفساد وغياب الشفافية في عمليات التوظيف وتأخر المصادقة على القوانين التي تعزز مقاومة الفساد.

وتؤكد بحوث ودراسات حول الفساد أجراها خبراء تونسيون في السنوات القليلة الماضية، تأزم العلاقة بين الاستثمار والتنمية من جهة، وكفاءة المؤسسات الحكومية من جهة أخرى، وهو ما أدى إلى تباطؤ النمو.

وتظهر بيانات جمعية المراقبين العموميين بتونس أن نحو 89 بالمئة من التونسيين يعزون استفحال الفساد والرشوة إلى غياب الإرادة السياسية. ولفتوا إلى أن الفساد تحول إلى ثقافة وأصبح أسلوب تعامل عادي ووسيلة لتسهيل الإجراءات الإدارية.

ولدى البعض قناعة بأن القطاع الخاص يشكل أيضا مجالا للفساد بعد أن استفاد لسنوات من الدعم والامتيازات والقروض من الدولة دون ضمانات.

11