فساد ثوري

هناك من يزعمون مكافحة الفساد وهم فاسدون متفوقون، ومن يرتدون جلابين الدين والفضيلة وهم لصوص متحايلون.
الخميس 2020/07/16
الأضاحي لم تصل إلى ليبيا إلا على الورق

يتم التحقيق هذه الأيام مع عناصر من جمارك ميناء طرابلس البحري، في قضية لا تبدو غريبة مقارنة بما يجري في الغرب الليبي، وتتمثل ببساطة في أن إحدى شركات التصدير قامت بتوريد 25 ألف أضحية بمناسبة عيد الأضحى المبارك، وفق اتفاق مع وزارة التجارة، حصلت بموجبه على اعتماد من المصرف المركزي بمليوني يورو، وتم صرف المبلغ فعلا وتحويله إلى حساب في الخارج.

الموضوع يبدو إلى هنا أكثر من عادي، حيث أن الأضاحي وصلت إلى طرابلس في حاويات عن طريق البحر، وتم تنفيذ الإجراءات الإدارية والأمنية والصحية والحصول على شهادة من جهاز البيطرة بأنها سالمة ومعافاة وليس بها مرض ولا علة، ويمكن ذبحها واستهلاك لحومها بالشكل الذي يريده صاحب الأضحية مشوية أو مقلية أو مطهوة أو مصلية أو مقددة، وكل عام وأنتم بخير.

نأتي إلى جانب الإثارة في القضية، وهو أن كل تلك الإجراءات قد تمت فعلا، لكن الأضاحي لم تصل إلا على الورق، فقد قام أصحاب الصفقة بتحويل المبلغ إلى الخارج، وعادوا إلى طرابلس بحاويات فارغة لا كبش بها ولا خروف ولا نعجة عارية من الصوف، ودفعوا بعض الإكراميات للحصول على وثائق مزورة تؤكد أنهم رجال أعمال صالحون وتجار مخلصون، لا يعرفون طريقا إلى الفساد ولا إلى ما يضر بمصالح العباد.

هذه القصة ليست فريدة من نوعها، فالفاسدون والمتحايلون وناهبو أموال الدولة، يمكن أن تجدهم في كل مكان، وأغلبهم لا يصل إلى إثبات مواهبه في هذا المجال إلا بالتقرب من السلطة أو الانخراط فيها، وعندما يصادفك أحدهم ذات يوم وتسأله عن سبب انغماسه في الفساد، سيجيبك مستنكرا «وماذا نفعل نحن مقارنة بالطائرين على مراكز القرار، وخاصة من المقاومين والمناضلين والثوار الذين تراهم كالجراد، يلتهمون الزرع والضرع ويأكلون الأخضر واليابس؟».

والحقيقة أن ما شهدته دول ما سمي بالربيع العربي، ومعها العراق ولبنان، من نهب وسلب وتحايل على المال يحتاج إلى الآلاف من الكتب والمصنفات على شاكلة «مآثر الديمقراطية في نهب الثروات الوطنية» و«معجزات الثائرين وكرامات الصالحين في نهب الملايين دون خشية القوانين» و«عبقرية الإعجاز وروعة الإنجاز في التحايل والابتزاز» و«أخبار الديوان في سرقة الأوطان» و«المختار من تجارب الثوار في سرقة ما فوق المليار» و«دفق المعين في رصد سرقات أصحاب الدواوين من الوزراء والبرلمانيين» و«شرح القضية في النهب تحت غطاء الديمقراطية» و«تدوير أصابع المسؤولين لنهب مئات الملايين وأثر ذلك على الأقارب والأهلين والأصدقاء المقربين من المساعدين والمستشارين».

وما يزيد من بث الحيرة في نفوس المساكين من المواطنين، أن هناك من يزعمون مكافحة الفساد وهم فاسدون متفوقون، ومن يرتدون جلابين الدين والفضيلة وهم لصوص متحايلون، ومن يتحدثون عن الوطن والوطنية والنزاهة والشفافية وهم سرّاقون نهّابون، ومن يدينون غيرهم وهم مدانون، ومن يتهمون سابقيهم بالشبهات وهم في الرذيلة غارقون حتى الذقون، لا يهمهم من الوطن غير ما ينهبون من ثروته دون حساب، ومن المواطن غير صوته يوم الانتخاب، ومن الكرسي غير ما يفتح أمامهم من أبواب للثراء غير المشروع، أما روح المسؤولية الوطنية والشعارات الوهمية عن الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية فهي خارج الموضوع.

24