فساد رجال الأعمال تحت مجهر الدراما السعودية

مسلسل "التدوينة الأخيرة" للمخرج محمد مكي يقدّم تركيبة مثيرة ومشوقة تُضاف إلى رصيد الدراما السعودية، التي تبحث لنفسها عن مسارات مختلفة.
الخميس 2018/07/12
بطلة تخترق حاجز الصمت في "التدوينة الأخيرة"

في مسلسل “التدوينة الأخيرة” لمخرجه محمد مكي، والمعروض حاليا على قناة “أو.أس.أن” الإماراتية يتم التعرض لعدد من قضايا الفساد التي يرتكبها واحد من رجال الأعمال الكبار مستغلا نفوذه وسطوته، وهو أمر جديد على سياق الدراما السعودية التي طالما ابتعدت عن مثل هذه القضايا الشائكة من فساد رجال الأعمال داخل السعودية.

ورغم حرص صناع المسلسل في البداية على التنبيه إلى أن الأحداث ليست لها علاقة بأشخاص حقيقيين، إلاّ أنه لا يمكن الفصل بين سياق المسلسل ووقائع الفساد التي جرى الكشف عنها مؤخرا وطالت العديد من رجال الأعمال داخل السعودية، وهو ما مثل دافعا على ما يبدو لصناع الدراما إلى تناول مثل هذه القضايا.

ورجل الأعمال في المسلسل يمتلك إمبراطورية كبيرة من المشاريع ويتحكم بنفوذه في الكثير من مناحي الحياة العامة، ومن بينها الإعلام والصحافة.

ومسلسل “التدوينة الأخيرة” من بطولة كل من خيرية أبولبن وعلي الشريف ولينا محمود وعبدالله المغربي وخالد يسلم وإسراء عماد، ويدور الخط الرئيسي للعمل حول أفنان التي تؤدي دورها الفنانة الشابة خيرية أبولبن، حيث تعود أفنان إلى السعودية بعد دراستها للصحافة في بريطانيا وهي محملة بالحماس والرغبة في العمل الصحافي، لكنها تُواجَه بواقع مغاير تماما لما كانت تتخيلته.

وفور عودة الشابة إلى السعودية وجهها والدها، وهو الصحافي السابق، للعمل في إحدى الصحف الموجودة بمدينة جدة، وبالفعل تلتحق أفنان بالعمل في الجريدة، ويطلب منها رئيس التحرير أن تبدأ العمل بإجراء تحقيق صحافي، ويترك لها حرية اختيار الموضوع الذي يعجبها لإثبات جدارتها.

في الأثناء، تعثر أفنان بمحض الصدفة على بغيتها، حين تحدّثها صديقتها الطبيبة سلوى (لينا محمود) عن المعاملة السيئة التي تتعرّض لها النساء الوافدات العاملات في مجال الصحة، وكيف أنها اكتشفت حالات من التحرش بهنّ في المستشفى الذي تعمل به، ومن ثمة تتصدى أفنان بحماس لذلك الأمر، على الرغم من أن القضية تعد واحدة من القضايا الشائكة بالنسبة إلى الكثيرين داخل السعودية.

وتلتقي الصحافية الشابة باثنتين من ضحايا التحرش وتتعرف من خلالهما على الكثير من المضايقات التي تعرضتا لها، وكيف تم التحرش بهما، وكيف أنهما حين توجهتا بالشكوى إلى مدير المستشفى عاقبهما بنقلهما إلى مواقع أخرى.

"التدوينة الأخيرة" يطرح قضايا حارقة لم تتناولها الدراما السعودية من قبل، ضمن إطار مثير ومشوق بعيدا عن الكوميديا

وحين تتوجه أفنان إلى مدير المستشفى الذي وقعت فيه الحادثة لتستطلع رأيه في الأمر، يقابلها المدير بكل صلف ويقوم بطردها من مكتبه حين يعرف موضوع التحقيق الذي تجريه.

تكتب أفنان كل ذلك في التحقيق الذي أعدته وتذهب في حماس إلى رئيس التحرير، غير أنها تصاب بخيبة أمل كبيرة حين يعترض رئيس التحرير نفسه على محتوى التحقيق، ويطلب منها نسيانه نهائيا والعمل على موضوع آخر، فالتحقيق، حسب قوله، هو مجرد ادّعاء لا دليل له، كما ينصحها باختيار موضوعات أكثر جذبا للقارئ، كمتابعة خطوط الموضة والعطور.

تصاب الصحافية الشابة بالإحباط الشديد وتفكر بالفعل في ترك القضية، غير أن رسالة صوتية ترد إليها عبر جوالها فتغيّر من موقفها، إذ يبعث أحدهم تسجيلا لمكالمة تليفونية لمدير المستشفى وهو يتحدث فيها عن الأمر، ويعترف خلالها بتستره على جرائم التحرش التي تحدث في المستشفى من أجل الحفاظ على سمعة المستشفى.

هذا التسجيل الصوتي الذي ورد إلى أفنان من مجهول يحوّل مسار الأحداث ويدفعها إلى الإصرار على نشر تحقيقها، ولكن، كيف؟ فكل الصحف المتاحة لن تقدم على نشر تحقيق كهذا، خاصة أن المستشفى تابع لرجل أعمال يساهم بقدر كبير في مداخيل الصحف عن طريق الإعلانات، كما يمتلك أسهما في معظمها.

يبدو الكشف عن تلك القضية شبه مستحيل، إلى أن تتعرف أفنان في تلك الأثناء على عمر (محمد المغربي) قريب صديقتها الطبيبة سلوى، وهو شاب ذكي يحترف التعامل مع التكنولوجيا، وهو الذي يشير إليها بنشر تحقيقها على شبكة الإنترنت تحت اسم مستعار، على أن يتولى هو عملية التمويه على المحتوى حتى لا يتم تتبعه والكشف عن صاحبه.

وبالفعل تنشئ أفنان مدونة لها باسم مستعار وتنشر التحقيق مع التسجيل الصوتي الذي ورد إليها، وينتشر الأمر على وسائل التواصل الاجتماعي وتفتح القضية للمساءلة القانونية.

وتفاجأ، بطلة المسلسل بعد ذلك بأن الشخص المجهول الذي أرسل إليها التسجيل الصوتي يستمر في إرسال المزيد من الفيديوهات والتسجيلات الصوتية التي تفضح الكثير من الأشخاص ورجال الأعمال، فيدفعها الأمر إلى البحث وراء كل حالات الفساد التي تتعرف عليها، مستعينة في ذلك بصديقيها عمر وسلوى، ومن ثمة يكوّن الثلاثي فريق عمل للبحث في هذه الوقائع قبل الكتابة عنها، لتستمر التدوينات في الورود وتتكشف العديد من مظاهر الفساد.

وفي الوقت الذي تبحث فيه أفنان عن قضايا الفساد، لا تغيب عنها قضية أمها المتوفاة، وندرك مع سير الأحداث أنها كانت هي الأخرى ضحية مؤامرة ما، لتتقاطع هنا مجموعة من الخيوط الرئيسية تقودها إلى المحرك الرئيسي لكل تلك القضايا، ويتضح مع الوقت أن المؤامرة التي تعرضت لها أمها ليست بعيدة عن شبكة الفساد التي كشفت عنها.

واللافت في المسلسل اعتماده على مجموعة من الفنانين الشباب في أداء الأدوار الرئيسية، فالفنانة خيرية أبولبن على سبيل المثال التي تؤدي دور أفنان هي ممثلة سعودية شابة بدأت مشوارها الفني في عام 2012، ثم اتجهت إلى مجال الإعلام، حيث عملت لفترة كمقدّمة برامج، لكنها عادت مرة أخرى إلى التمثيل من خلال أداء بعض الأدوار في عدد من المسلسلات السعودية.

وإلى جوار خيرية أبولبن برز كذلك الفنانون: عبدالله المغربي وخالد يسلم وعلي الشريف ولينا محمود، في أداء أدوارهم، ورغم الإيقاع الهادئ للمسلسل إلاّ أنه خلا تقريبا من مبالغات التمثيل المعهودة، واعتمد في شكل عام على الحوار السلس، الذي بدا أشبه بالارتجال أحيانا.

16