فسقية الأغالبة في القيروان "حاوية للفضلات"

الخميس 2017/11/02
تنكر للتاريخ العريق

القيروان (تونس) – مياه راكدة خضراء بلون الطحالب والمئات من القوارير والأكياس البلاستيكية تطفو في فسقية الأغالبة في مدينة القيروان دون أي تدخل لتنظيفها أو تعهدها.

هذا الوضع دفع أحد السياح الفرنسيين الذين زاروا المدينة في الفترة الأخيرة إلى نشر تدوينة عبر صفحات التواصل الاجتماعي نعى فيها فسقية الأغالبة بـ”حاوية للفضلات”.

الحال الذي تبدو عليه فسقية الأغالبة اليوم لا تعكس إطلاقا مكانة مدينة القيروان التاريخية ومعالمها المصنفة ضمن التراث العالمي منذ سنة 1988. فبعد أن صمدت قرونا أمام عوامل الاندثار، صارت هذه البرك في السنوات الأخيرة ملوثة تشكو الإهمال وغياب الصيانة مما أفقدها بريقها يوما بعد يوم.

لا يمكن لأي شخص أن يزور مدينة القيروان التونسية دون أن يمر على فسقية الأغالبة أو ما كانت تسمى “برك الأغالبة”، ذلك المعلم المائي الضارب في القدم، والذي استطاع ترويض المياه عبر قرون، لكن اليوم وبعد أن وصلت إلى حالة مزرية من الإهمال، أصبح حتى السكان المحليون يتحاشون زيارتها.

ويؤكد العديد من أبناء المدينة أن الفسقية كانت قبلة للتونسيين والسياح ومتنفسا ليليا خلال فصل الصيف الحار، وفضاء مفتوحا يحلو فيه السهر للعائلات القيروانية التي لا تسمح ظروفها بارتياد الشواطئ، ولكن شيئا فشيئا اندثر ذلك التقليد الجميل وتحولت الفسقية إلى مجرد ذكرى شاحبة، هجرها أهلها بعد أن فقدت إطلالتها الجذابة.

هذه الحال دفعت بعدد من أفراد المجتمع المدني هم “مجموعة أحباء الفسقية” إلى إطلاق صيحة فزع من خلال تنفيذ وقفة سلمية أسبوعية داخل فضاء فسقية الأغالبة تواترت كل يوم اثنين منذ أكثر من عام، لمطالبة كافة المتدخلين (المجلس الجهوي، المعهد الوطني للتراث…) بالتدخل العاجل لإنقاذ هذا المعلم التاريخي الهام.

وبرك فسقية الأغالبة هي إحدى أشهر المؤسسات المائية في العهد الإسلامي وشاهدة على عبقرية مهندسي المياه في ذلك العصر في حل إشكال نقص المياه بتشييد برك الأغالبة التي أسسها إبراهيم أحمد بن الأغلب سنة 248 للهجرة الموافق لـ562 ميلادي، وقيل إنه أنفق من أجلها 300 ألف دينار من بيت مال المسلمين لتكون من أعظم المعالم في الحضارة الإسلامية.

وقد قاوم هذا المعلم المائي كل عوامل الاندثار عبر قرون عديدة، ليبقى شاهدا على براعة الأغالبة في فن العمارة، وحنكتهم، وحسن استغلالهم للموارد المائية في منطقة كثيرا ما عرفت بقلة هطول الأمطار.

على الرغم من عراقة هذا المعلم المعروف بصلابته وتناسق أحجامه، إلا أنه يواجه اليوم مشاكل، أبرزها المياه التي تتسرب من الأسفل

يقول رئيس جمعية صيانة مدينة القيروان مراد الرماح “برك الأغالبة هي من أهم المنشآت المائية في العالم الإسلامي، وهي تعبر عن معركة الأغالبة ضد القحط وانعدام الماء، وذلك خلافا للمدن الإسلامية التي كانت بها أنهار وعيون”.

وأضاف “مدينة القيروان كانت تشكو من نقص في المياه، وهو ما جعل الأغالبة يتداركون ذلك من خلال بذل مجهودات وعبقرية فذّة أسفرت عن ترويض المياه خلال أوقات الفيضانات، وتجميعها في هذه البرك”.

وبحسب الباحث في التراث فإن “برك الأغالبة التي أسسها إبراهيم أحمد الأغلبي أواسط القرن التاسع ميلادي وتحديدا عام 248 هجري، هي متباعدة الأطراف، وتبلغ سعتها أكثر من 75 ألف متر مكعب”.

وفي تلك الحقبة، كان يحيط بالقيروان أكثر من 15 ماجلا (خزان مياه كان يستخدم لتجميع مياه الأمطار واستعمالها في ما بعد لأغراض يومية)، ولم تكن بهذا القدر من الأهميّة، إلا أنها كانت تحاول أن تتجاوز مشكلة نقص الماء، وفق الرماح.

وتمتد فسقية الأغالبة على مساحة 12 هكتارا وهي تتكون من 3 عناصر أساسية، هي البركة الصغيرة تُصفّى فيها مياه الفيضانات والأمطار، والبركة الكبرى تتم فيها التصفية الثانية لتُحمل في ما بعد إلى الماجل وحمولته التي تتجاوز 900 متر مكعب. وتتوسط الفسقية صومعة مثمنة الأضلاع بأعلاها قبة مفتحة الأبواب مخصصة لمجلس الأمير وأوقات فرجته ونزهته.

ويذكر الرماح أن الفسقية كانت تضم “كشكا” وهو عبارة عن منتزه للأمراء الأغالبة، ووفقا لروايات فإن أحد هؤلاء الأمراء كان قد أقام سفينة أسماها “الزلاج” في تلك البرك بهدف التفسح.

وأجمل ما يميز فسقية القيروان عن أنواع البرك الأخرى تلك الفارسيات العتيدة التي تسندها من كل ناحية وعددها ستون بعدد دقائق الساعة.

وعلى الرغم من عراقة هذا المعلم المعروف بصلابته وتناسق أحجامه، إلا أنه يواجه اليوم مشاكل، أبرزها المياه التي تتسرب من الأسفل، وهي مياه راكدة، لا بد من خلق حركة فيها، إلى جانب التربة المحيطة بها وهي شديدة الملوحة وبالتالي يصعب إقامة منتزهات، وزراعة أشجار وأزهار فيها، بحسب الباحث نفسه.

ودعا الرماح إلى القيام بعملية صيانة لهذه البرك، حتى تكون مستجيبة للمقاييس العلمية، ولمعايير التراث العالمي.

وأفاد المعتمد الأول ورئيس النيابة الخصوصية لبلدية القيروان بسام الشريقي في تصريح لـوكالة تونس أفريقيا للأنباء بأن “فسقية الأغالبة مفخرة من مفاخر مدينة القيروان”، مؤكدا أنه يوجد حاليا مشروع ضخم لتثمين الفسقية يتم حاليا العمل على دراسته.

وأشار إلى أهمية توفر الاعتمادات الضرورية من أجل الانطلاق في إنجاز هذا المشروع، قائلا إنه “في انتظار تحقق هذا الحلم سيتم العمل على تعهد هذا الفضاء بالتنظيف”.

20