فشل أفريقي في تحقيق السلام بجنوب السودان

السبت 2015/01/03
مفاوضات السلام تفشل في حسم الصراع

أديس أبابا - يقبع جنوب السودان في نفق مظلم بسبب فشل كل المساعي الأفريقية لرأب الصدع بين الفرقاء السياسيين الذين دخلوا عامهم الثاني في الحرب، وسط تزايد قلق المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية الدولية من تفجّر كارثة إنسانية حقيقية جراء الخلاف على السلطة وهو ما سيضع البلاد أمام حرب طويلة لا يمكن التنبؤ متى ستنتهي.

كشفت مصادر مقربة من الوساطة الأفريقية بين طرفي النزاع الدائر في جنوب السوادن، أمس الجمعة، عن تعثر مفاوضات السلام بين الجانبين في العاصمة أديس أبابا.

وأشارت المصادر، التي وصفت بأنها جديرة بالثقة، إلى أن الوفدين لا يزالان يتمسكان بموقفهما من العملية السلمية برمتها وهو ما تسبب في خرق للهدنة في كثير من المرات واستمرار الحرب الأهلية على الرغم من المحاولات المتواصلة لحث الجانبين على العودة إلى طاولة المحادثات المستعصية.

هذه التصريحات يبدو أنها في علاقة مع ما طالبت به الهيئة الحكومة لتنمية شرق أفريقيا “إيغاد”، أمس، بضغط دولي وإقليمي على طرفي النزاع في جنوب السودان لوقف الاقتتال بينهما وإنهاء الأزمة المستمرة منذ أكثر من عام.

وقد دعت الهيئة، التي تقود وساطة بين الطرفين منذ مطلع العام الماضي، في بيان منسوب لها، رئيس البلاد سيلفاكير ميارديت وزعيم المتمردين رياك مشار إلى وقف القتال فورا، وجعل العام الجاري عام سلام لشعب جنوب السودان والتوصل إلى سلام دائم.

مراقبون يرون أن عدم وجود ضغوط دبلوماسية يفسر استعداد الفرقاء للدخول في حرب إلى ما لا نهاية

وتضمّنت دعوات الوساطة الأفريقية لفريق الرصد والتحقيق والمراقبة في جنوب السودان، بإجراء تحقيق كامل حول الخروقات السابقة في الهدنة التي تم الاتفاق عليها مع تحديد مسؤولية الطرف بخرق الاتفاقات الموقعة.

كما استنجدت الوساطة برؤساء دول إيغاد والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين بمزيد من الضغط على الأطراف المتحاربة لإنهاء الأعمال العدائية فورا والالتزام بعملية السلام الجارية برعاية “إيغاد” بأديس أبابا.

ويعتقد خبراء أن انهيار المحادثات إضافة إلى توقع هجوم من قبل الحكومة في أي وقت، قد يصعّب على الحكومة الإثيوبية التي تقوم بدور الوساطة على أراضيها مقاومة ضغوط السلطات التي تهيمن عليها قبائل النوير في منطقة غامبيلا المتاخمة لجنوب السودان التي تحضها على دعم المتمردين.

كل تلك الدعوات تنفي تماما ما ذكره وزير خارجية جنوب السودان، برنابا بنجامين، في تصريحاته الصحفية التي قال فيها إن “المفاوضات بين حكومته والقوات الموالية لنائب الرئيس السابق، رياك مشار، في أديس أبابا أحرزت تقدما ملموسا”.

وناقض بنجامين نفسه في الوقت نفسه حينما أكد على وجود نقطتين خلافيتين تسببتا في تعليق التوصل إلى اتفاق شامل وهو ما يعول عليه الوسطاء الأفارقة خلال منتصف الشهر الجاري، لعل أبرزها تمسك المتمردين بإلغاء منصب نائب الرئيس.

ولم يبد وفد المتمردين أي ردة فعل حول ما جاء في بيان “إيغاد”، لكن من المتوقع أن تثير ردود فعل متباينة خلال الساعات القليلة القادمة وهو ما سيجعلهم أمام ضغوط على الأرجح كما هو الحال للسلطة الحاكمة للخروج من الأزمة في أقرب وقت ممكن وقد يكون ذلك في المفاوضات القادمة.

ومنذ الـ23 من يناير الماضي، ترعى “إيغاد” برئاسة وزير الخارجية الإثيوبي السابق، وسفيرها الحالي في الصين، سيوم مسفن، مفاوضات في إثيوبيا بين حكومة جنوب السودان والمعارضة المسلحة لم تفلح في إنهاء الأزمة حتى الآن.

ويشير العديد من المحللين إلى أن التاريخ الدموي لجنوب السودان وعدم وجود ضغوط دبلوماسية متواصلة وغياب الجدية، قد يفسر بوضوح استعداد نخبتها السياسية وكذلك المعارضة لاستخدام العنف خلال سعيها للاستحواذ على السلطة والثروة وعدم مراعاة معاناة المدنيين العاديين.

وكان شقا الصراع قد حذرا من احتمال نشوب حرب شاملة في حال تعثر المحادثات، ما أثار مخاوف من أنه في الوقت الذي يعلن فيه السياسيون التزامهم بإحلال السلام، يستعد القادة العسكريون في كلا الجانبين لشن عمليات عسكرية جديدة.

وتميل بعض التقارير المتعلقة بانفصال الجنوب عن السودان إلى التركيز على الصراع الذي يمتد لعقود عدة بين أهل جنوب السودان والخرطوم، ما يطمس حقيقة أن الكثير من عمليات إراقة الدماء في الجنوب قد وقعت بين فصائل مسلحة متنافسة.

ويرى مراقبون أنه في الوقت الذي استطاع مشار إعادة دمج معظم تلك الفصائل في الجيش الشعبي لتحرير السودان قبل الاستقلال، إلا أن الأزمة الحالية قد شهدت إعادة ظهور الانقسامات والتكتيكات العنيفة.

وقد اتهمت الأمم المتحدة وعدد من الدول الغربية طرفي الصراع العسكري، في وقت سابق، بارتكاب جرائم حرب، لكن كل ذلك لم يثنهما عن أعمالهما الوحشية المتواصلة في البلاد بهدف السيطرة على السلطة. ولا شك أن تصاعد العنف أدى إلى إفساد خطط الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الشريكة، التي كانت تهدف إلى استغلال موسم الجفاف لترميم الطرق وغيرها من مرافق البنية التحتية، وتخزين المستلزمات الحيوية قبل نفاد محصول الحصاد الحالي المضطرب في مطلع العام الجاري.

وتعليقاً على هذا الوضع، أكد منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في جنوب السودان، توبي لانزر، في وقت سابق استمرار عملية الإغاثة الضخمة، بيد أنه حذر من حدوث كارثة تتمثل في مجاعة وهو ما ذهبت إليه العديد من التقارير لمنظمات أخرى تهتم بمجال الإغاثة الإنسانية.

ويحذر محللون من أن تزامن إخفاق محادثات السلام في جنوب السودان قد يفجّر قتالا جديدا بين القوات الحكومية والفصائل المتمردة، ما قد يدفع ملايين السكان في أحدث بلد في العالم إلى براثن مجاعة، لاسيما في فصل الشتاء.

وقد تسببت الحرب الطاحنة منذ منتصف ديسمبر العام 2013 في مقتل آلاف من المدنيين والعسكريين، فضلا عن نزوح وتشريد مئات الآلاف الذين تركوا منازلهم إلى دول الجوار.

5