فشل إيران في القارة السمراء

الأحد 2016/01/10

إن ما يسمّى بالثورة الإسلامية في إيران، التي جعلت الجماعة الصفوية، والتي هي أقليّة في محيط المسلمين، تنشد الزعامة والسيطرة على العالم الإسلامي عبر ما يعرف بتصدير “الثورة الإيرانية”، رغم أن أيّ ثورة بحاجة للتصدير هي ثورة كسيحة.

وأصبح التصدير الإيراني يعني نشر التشيّع في العالم الإسلامي، وهو أيضا رسالة خفية للإطاحة بالعقائد السنية، واستبدالها بعقائد شيعية صفوية، ما يعني أنه ليس هناك تصدير ثورة وإنما تصدير عقيدة، وهذا التصدير بدأ منذ بداية عهد ولاية الفقيه، والتي تعني عند الشيعة أنه يجب على أتباع المذهب الإمامي طاعة الفقيه، الذي هو النائب عن الإمام الغائب المنتظر.

وقد بدأ مخطط تصدير الثورة متزامنا مع ما يدعو إليه الخميني في كتابه “الحكومة الإسلامية” ص 36 (مقرراً عقيدة ولاية الفقيه)، “من حق الفقهاء، بل من واجبهم ومن المفروض عليهم أن يسعوا إلى أن يكونوا خلفاء لإمام آخر الزَمان، الإمام الغائب، وأنْ يمتلكوا زِمام الحكم كممثلين للإمام وكمندوبين عنه، ومن هنا تصبح طاعته واجبة”. وبهذا الفكر المشبوه والمليء بالغيبيات أحكم الخميني الحصار على أتباعه وأقلياته.

لقد أصبحت حكومة الملالي تحرِّض وتُشجع الأقليات الشيعية في جميع أقطار العروبة على المناداة بالاستقلال والمطالبة بحكم ذاتي، وراحت تعمل على إيجاد منصات وأذرع لها وتنشئ بعض الأحزاب السياسيَّة الشيعية المعارضة للحكومات العربية والتي باء معظمها بالفشل الذريع، كحزب الدعوة الإسلامية في العراق، وحركة أمل وحزب الله في لبنان، وجبهة التحرير الإسلامي في البحرين، والحركة الحوثية في اليمن وكلها أحزاب سرطانية ينبغي استئصالها، ومعظم هذه الأحزاب تستجيب لأوامر آياتِ قم، وتنعق بالصوت الصفوي الفارسي.

لقد أنفقت إيران في سبيل نشر أفكارها الفاسدة الأرقام الفلكية من مليارات الدولارات، بل هناك معلومات موثوقة تقول: إنَّ خُمس عائدات النفط الإيرانية تُنفقُ لأجل تحقيق نشر المذهب الصفوي الفارسي.

لقد تم التخطيط لتصدير المذهب الشيعي عبر صور وأشكال عديدة من أهمها: نشر مذهبهم الباطني في كل أصقاع المعمورة، وتسميةُ مذهبهم بمذهب آل البيت، وقصر نحلتهم على محبة آل البيت، وذكر فضائلهم، والتأكيد على حقوقهم ومظلوميتهم.

إن إيران تعمل جاهدة وبكل مكر على بسط نفوذها في القارة الأفريقية، بعد أن شعرت أنها فشلت في بسط سيطرتها على الجناح الشرقي لقارة آسيا، فالحرب الدائرة في سوريا سحقت رحاها كثيراً من عناصر الحرس الثوري الإيراني ولم تعد تجد جدوى من الادعاء بأن عناصرها الموتورين والمشحونين بالطائفية المقيتة إنّما يتواجدون على الأرض السورية دفاعاً عن المزارات الشيعية.

ولقد تجلت طائفية إيران وأتباعها من حزب الله بأقبح صورة وهم يرفعون الأعلام السوداء وقد كُتب عليها “لبيك يا حسين” على مآذن مدينة القصير السورية.. إنها صورة لا يستطيع عقل إنسان يعيش في الألفية الثالثة أن يتخيّلها، ويتخيل العناصر الطائفية بلباسهم الأسود وهم يكتبون على جدران بعض البيوت عبارات تقطر سماً طائفياً.

لسوف تنتهي الحرب السورية بين النظام الحاكم وأتباعه ومناصريه من شيعة إيران وحزب الله والميليشيات الطائفية العراقية وقوات المعارضة السياسية والمسلحة، ولسوف تخرج إيران صاغرة مدحورة وقد خسرت مليارات الدولارات ممّا أغدقته على النظام الطائفي النصيري.

قد يظن كثير من مرضى العقول أن إيران إنما هي أخطبوط أسطوري ذو ألف ذراع، وأنها ستصبح دولة نووية وسوف تحكم قبضتها على دول الجوار.

ولكن الوقائع تخبرنا أنها فشلت في القارة السمراء فشلاً ذريعاً، فقد خرجت من السودان تجرّ ذيول الخيبة والفشل. وأصبح السودان محط أنظار إيران خاصة بعد انفصال جنوبه، فمنذ استيلاء نظام الإنقاذ على السلطة في عام 1989 وتسمية الانقلاب ثورة تفاؤلاً بالثورة الإيرانية، حدثت تغييرات عميقة وجذرية في بنية المجتمع السوداني، كما أظهر النظام نفسه كما لو أنه يسير وفق تعاليم الشرع الإسلامي، وكان ذلك تأسّياً بالثورة الخمينية التي لم تتوان الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن تصديرها إلى بعض الدول الإسلامية.

ومع الأخذ بعين الاعتبار الاختلاف المذهبي فإن السودان يعتبر من أكثر الدول انسجاماً مع السياسة الإيرانية من حيث توجه الدولة السودانية في البعد الديني، وزادت هذه الخصوصية في العلاقات الوطيدة بعد تحوّل السودان إلى دولة تستقطب الاستثمارات العربية والعالمية بعد اكتشاف ثروة هائلة من النفط فيها.

وإذا عدنا إلى تسعينات القرن الماضي وفي عهد الرئيس الإيراني علي أكبر هاشمي رفسنجاني فإننا سنجد أن إيران قد قدّمت دعما ماليا ضخماً للسودان، وتواصل هذا الدعم واستمر في عهد الرئيس محمد خاتمي.

ثم تلا ذلك دعم عسكري حيث أنشأت إيران مصنعا للسلاح والذخيرة لتعزيز معاهدة التعاون العسكري الذي لم يغفل عن التركيز على استعداد إيران لعرض مشاريع للشراكة النووية والتكنولوجية، وبالرغم من تصنيف الدولتين إيران والسودان دولتين راعيتين للإرهاب والتطرف من قِبل الولايات المتحدة الأميركية، فإن العلاقة بينهما قد شهدت تطورات هامة في المجالين العسكري الاستراتيجي والاقتصادي البنيوي.

وتستخدم إيران أساليب الاستدراج السياسية السرية الماكرة، وكذلك فإنّ لديها وسائل عديدة مغرية للتعاون مع الدول الأفريقية تمتد بين الفكر والدين والاقتصاد والثقافة المسمومة، مستخدمة في ذلك مجموعة من مؤسساتها الرسمية ومنظماتها الخيرية المسخرة لتنفيذ هذه الأهداف.

وعبر أساليب تغلغلها في القارة السمراء، لم تشترط إيران وحدة الدين أساسا للتعاون الاقتصادي والثقافي، بل إن ما أفصحت عنه في منتدى التقارب الفكري بين أفريقيا وإيران عام 2010 كان قد عكس مرحلة جديدة من التعاون على أساس مجموعة من المصالح المشتركة بين الجانبين بغض النظر عن اختلاف العقيدة والمذهب، بل هي لم تكن تفرّق بين الدول العربية والأفريقية.

قد استفادت إيران كثيرا من تجربة إسرائيل في اختراق أفريقيا، مستفيدة من تسخيرها للمساعدات التنموية كنوع من السياسة والدبلوماسية الناعمة.

إن إيران وإسرائيل وجهان لعملة زائفة واحدة، وكلتاهما تتطلعان إلى التغلغل والنفوذ في القارة السمراء من منظور تحقيق المصالح الذاتية، وتسعيان جاهدتين لبسط نفوذهما في دول حوض النيل، كما تذهبان باتجاه الدول الأفريقية الأكثر تأثيرا والغنية بالثروات كنيجيريا التي تمتلك ثروة بترولية ضخمة، والنيجر التي أصبحت محط أطماع إيران النووية، كونها تعتبر رابع دولة على مستوى العالم من حيث المخزون الاحتياطي لخام اليورانيوم.

وقد عملت إيران من أجل التغلغل في أثيوبيا ونجحت في إرتيريا، وتمكنت من إنشاء قاعدة عسكرية في الميناء الجنوبي من الأراضي الإرتيرية، وهو ما يمكن اعتباره محاولة لفرض سيطرتها على الخليج العربي. وقد ساعدها في ذلك الوجود الشيعي اللبناني القديم والسابق لأطماع النظام الحالي.

ثم جاء التحول الإقليمي الدراماتيكي لانفصال الجنوب والذي جعل السودان منقسما في علاقاته مع إيران بين مصالحه ومخاوفه، لتحل القطيعة الكبرى بعد ذلك بحيث أدرك المخاطرة التي كان يدور في فلكها.

لقد حاولت إيران اختراق النظم الأمنية والإقليمية للقرن الأفريقي، ودخلت في منافسة حامية مع القوى الإقليمية لإيجاد موطئ قدم لها وكسر حالة اعتبار البحر الأحمر بحيرة عربية خالصة، واتخاذ موقف المهاجم، فبدلاً من أن تكون الدول العربية محاصِرة لإسرائيل وإيران في حالة نشوب حرب، يصبح العالم العربي محاصَراً من قبل إسرائيل وإيران من خلال التحكم بالممرات المائية (مضيق هرمز، مضيق باب المندب).

كما قامت بإذكاء الفتنة وتأجيج الصراع وإحياء الخلاف بين دول المنبع والمصب لنهر النيل، واستطاعت مقارعة إسرائيل للحصول على حصة من التآمر على مصر بخصوص سد النهضة من خلال نفوذها في تلك الدول الأفريقية الفقيرة، ثم أخفقت إيران وفشلت وراحت تجرّ ذيول الخيبة وهي تواجه عاصفة الحزم حين تداركت منظومة دول مجلس التعاون الخليجية المخاطر المرتقبة من أطماع إيران، واستطاعت صياغة استراتيجية عاجلة لتدارك المخاطر التي كادت تدمر اليمن، وجاءت صحوة السودان أخيراً وفشلت إيران أيضاً في تحقيق أهدافها بجعلها قاعدة خلفية لسياستها التدميرية للدول العربية وهي كما خرجت من أفريقيا ستخرج من سوريا والعراق بخفي حنين.

وتعزيزاً للفشل الإيراني في القارة الأفريقية ورغم تلك المليارات التي أنفقها النظام في دول هذه القارة لتأسيس وجود طائفي له، قامت السودان وجيبوتي بطرد السفير الإيراني وقطع علاقاتها مع النظام الإيراني كخطوة تأديبية للسلوك العدائي الإيراني تجاه البلدان العربية، ولما قام به من سياسات عدائية ضد الدول الخليجية وخاصة السعودية، التي تم اقتحام سفارتها في طهران وقنصليتها في مشهد دون النظر لأيّ اتفاقيات وقوانين دولية أوجبت على جميع الدول حماية البعثات والمقرات الدبلوماسية.

باحث إماراتي

4