فشل الأحزاب الدينية في إدارة العراق

الخميس 2014/02/06

لم يشهد العراق انهياراً كارثياً للسلطة والدولة في آنٍ معاً كالذي شهده بعد اجتياح القوات الأنغلو- أميركية للمدن العراقية برمتها عام 2003 بحجة إسقاط الدكتاتورية وإحلال النظام الديمقراطي الفيدرالي المتعدد، وهي حجة واهية سرعان ما تكشفت للعراقيين ووجدوا أنفسهم أمام أحزاب دينية متخلفة نشأ معظمها في إيران وبعض المنافي الأوروبية. وجدير بالذكر أن هذه الأحزاب الدينية لا تريد أن تقيم دولة إسلامية ولا تنوي تطبيق الشريعة، وإنما اكتفت بأن يكون الإسلام هو دين الدولة الرسمي كما جاء في الدستور العراقي الذي كُتب في ظل الاحتلال وتحت إشراف الخبراء الأميركيين الذين رسموا كل شيء وفق المخططات الممنهجة التي تهدف بالنتيجة إلى تقسيم البلد قومياً وإثنياً وطائفياً.

لقد أيقظت هذه الأحزاب الدينية المشوّهة النفَس الطائفي عند ضعاف النفوس من أتباعهم الأغبياء والموتورين والجهلة الذين يتم تجنيدهم في ظروف سرّية غامضة. وقد بلغ الشحن الطائفي ذروته في عامي 2006 و2007 وراح ضحيته الآلاف من العراقيين الأبرياء الذين قُتلوا وهُجِّروا داخل حدود الوطن وخارجه. ولا يزال هذا البعبع الطائفي موجوداً وهم يلوّحون بظهوره بين أوان وآخر كورقة تهديد لقمع أي احتجاج مدني، وإخماد أية مظاهرة سلمية يكفلها القانون.

ولتأكيد صحة ما نذهب إليه نحيل القارئ الكريم إلى تهجير العديد من عوائل عشيرة “السعدون” في محافظتي البصرة والناصرية، كجزء من برنامج التطهير العرقي الذي تقوم به حكومة المالكي على وجه التحديد وتنفذه في عدد من المحافظات العراقية المختلطة التي تتآخى فيها القوميات والأديان والأعراق قبل المذاهب، آخذين في الاعتبار أن غالبية الشعب العراقي لا تؤمن بالطائفية ولا تفكر في المذهب إلاّ إذا جاء عفو الخاطر، وأكبر دليل على ذلك أن العديد من القبائل العراقية تتبع مذهبين اختياراً وقناعة لا قسراً وإجباراً، كما أن التزاوج بين أفراد المذهبين هي قضية رائجة ومتجذرة ولا تستطيع هذه الأحزاب التي سيّست الدين أن تحدّ من هذه الظاهرة الراسخة في وجدان الشعب العراقي.

إن الأحزاب الدينية التي تسنمت سُدة السلطة كالدعوة الإسلامية والمجلس الأعلى الإسلامي والفضيلة قد فشلت في بناء الدولة العراقية وعاثت فساداً في البلاد حيث نهبت بشكل منظّم المال العام للشعب العراقي، كما كرّست مبدأ التحاصص المقيت، ووزعت المناصب والوظائف على الأهل والأقرباء والحزبيين الذين استأثروا ببقية المكاسب والامتيازات المعروفة تاركين الشعب العراقي على مدى السنوات العشر التي مرّت، يواجه مصيراً أسود لا يرقى حتى إلى مستوى الدول الأكثر فقراً وتخلفاً في مجاهل القارة الأفريقية.

فمنذ عشر سنوات ونحن نسمع بالمشاريع العملاقة، والمدن السكنية الحديثة لكن واقع الحال يكشف لنا بما لا يقبل الشك بأنها مجرد وعود كاذبة وقبض ريح، ذلك لأن حكومات الإسلام السياسي في العراق لم تأتِ بهدف بناء البلد وتعميره وتقديم الخدمات لأبناء الشعب العراقي، وإنما جاءت لنهب ثرواته، والتفريط في حقوقه الوطنية أرضاً ومياهاً وسماءً، وإنهاك قدراته الاقتصادية، فلا غرابة أن يعيش ثلث سكان العراق في ظل حكومة المالكي تحت مستوى خط الفقر.

لم تحرّك حكومة المالكي منذ ثماني سنوات ساكناً بشأن الأنهر والجداول الأربعين التي قطعتها جمهورية إيران “الإسلامية”، وحولّت مجاريها إلى داخل الأراضي الإيرانية أو احتجزتها خلف سدود كبيرة بحجة نقص المياه تارة، والتصحر تارة أخرى، وقلّة المياه الجوفية تارة ثالثة، ضاربة عرض الحائط بكل الاتفاقات الدولية التي تتعلق بالأنهر المشتركة والبلدان المتشاطئة، متناسيةً أن العراق لو كان يمتلك حكومة وطنية مخلصة وحريصة على ثروات البلد الزراعية لقلبت الدنيا رأساً على عقب واستدعت المسؤولين الإيرانيين الخارجين على القانون إلى الأمم المتحدة في أميركا، والمحاكم الدولية في لاهاي وغيرها من حواضر العالم المتقدمة التي تحترم القوانين والاتفاقيات الدولية، وتطبقها على قدم المساواة بين الدول المتنازعة، كي تقتصّ من البلد المعتدي وتنتصف للدولة المُعتدى عليها.

وهذا الأمر ينطبق على تركيا التي ستنتهي من بناء سد “حسن كييف” العملاق على نهر دجلة الذي سيحوِّل أهوار العراق الجنوبية إلى صحاري قاحلة فكيف بمدنه المتناثرة على ضفاف دجلة والفرات اللذين يعانيان من شح المياه بسبب السدود الضخمة التي أقامتها تركيا وسوريا على حد سواء.

يسعى المالكي في أحاديثه دائماً إلى تعويم هذه المحنة وتغييبها عن أذهان الناس حتى أنه يبدي تعاطفه مع الإيرانيين بطريقة غريبة حينما يقول: “إن شحّ المياه هي مشكلة عالمية”، وكأنه يختلق لهم المبررات ويسوّغ ما قاموا به من إجراءات مخالفة للقانون ومُنتهِكة للأعراف الدولية. لم ينبس المالكي ببنت شفة حينما بدأ الأتراك ببناء سد “حسن كييف” على نهر دجلة بينما تظاهر الآلاف من الأتراك والأوروبيين، وقطعت البنوك العالمية مصادر تمويلها حينما أدركت أن هذا السد سيفتك بالبيئة العراقية وسيلحق ضرراً فادحاً بالعراقيين، ومع ذلك فإن المالكي ظل منشغلاً بالفتن الداخلية التي يؤججها بين أوان وآخر.

لم يكتفِ المالكي حينما جعل العراق لا يصدّر شيئاً خلال دورتيه الرئاسيتين سوى النفط. بمعنى آخر لقد أنهى الصناعة كلياً وضخّ إلى الشارع العراقي نحو مليون عاطل عن العمل، وها هو الآن يطمئن على أن العراق لم يعد يزرع شيئاً طالما أن الأسواق العراقية تغرق بالفواكه والخضراوات الإيرانية والتركية والأردنية والسورية قبل اندلاع القتال فيها منذ سنتين تقريباً حيث انقطعت المياه، وهلكت المزارع، وجفّت أشجار النخيل والفواكه، والأغرب من ذلك أن الفواكه والخضراوات المستوردة أرخص من المنتوج المحلي فلمن يبيع الفلاح العراقي غلته إذا كانت الغلة المستوردة أفضل نوعية وأرخص سعرا؟

يتضح مما تقدم أن الأحزاب الدينية لا تريد خيراً للعراق وللعراقيين وأنها ماضية في تدمير بنيته الاقتصادية والزراعية والاجتماعية، وأن كل ما تقوم به من مشاريع وهمية، وحملات مزعومة لإنصاف المظلومين ما هي إلاّ دعاية انتخابية رخيصة كي يجثم المتاجرون بالدين على صدور العراقيين الذين لم يضمنوا أبسط مقوِّمات العيش الكريم.


كاتب عراقي

8