فشل الإعلام في خيار التوعية بالوباء يحرج الحكومة المصرية

ارتباك الخطاب الرسمي يمنح جماعات سلفية فرصة العودة إلى الواجهة.
السبت 2020/04/18
لا مبالاة بإجراءات الحجر

القاهرة - كشفت دراسة حديثة أعدها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بمصر (حكومي)، أن 59 في المئة من المواطنين يتخذون مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية مصدرا أساسيا للمعرفة والتوعية بشأن انتشار فايروس كورونا في بلدهم، فيما انجذب 16 في المئة فقط إلى التلفزيون الذي من المفترض أن يشهد نسب مشاهدات مرتفعة في أوقات الأزمات التي تتزايد فيها الحاجة إلى المعلومات الدقيقة.

وحذر رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الخميس من عدم التزام المواطنين بإجراءات الحظر وتدفقهم إلى الشوارع بكثافة خلال الأيام الماضية، وقرر إغلاق المنتزهات والحدائق العامة يومي الأحد والاثنين، لمنع خروج الناس للاحتفال بشم النسيم.

وأظهرت صور التقطتها عدسات مواطنين اكتظاظ المئات من السيارات في طوابير طويلة أمام مدخل منتجع العين السخنة السياحي على البحر الأحمر، استغلّ أصحابُها الإجازة الرسمية من أجل المكوث في المناطق الساحلية والاحتفال بشم النسيم ضاربين بقرارات الحكومة عرض الحائط.

ورغم أن الدراسة العلمية أشارت إلى أن نسبة 82 في المئة من الجمهور اهتموا بالأخبار المرتبطة بسبل الوقاية من انتشار المرض، فإن 90 في المئة منهم استجابوا فقط لغسل اليدين بالماء والصابون دون وقاية أخرى، وانعكست تلك الأرقام على السلوكيات الملحوظة في الشارع حيث طغت حالة من اللامبالاة بينما تتزايد أرقام الإصابات والوفيات يوميًّا.

حسن علي: الإعلام التقليدي أخفق في التوعية
حسن علي: الإعلام التقليدي أخفق في التوعية بشأن مخاطر كورونا

وفي الوقت الذي تعمل فيه الحكومة على تصدير خطاب إعلامي يبرر عدم اللجوء إلى الإغلاق العام نتيجة الظروف الاقتصادية والإمكانيات المحدودة وتجاهد لدفع المواطنين نحو البقاء في المنازل، وجد الإعلام المصري نفسه في مأزق جراء هذا الخلط والتداخل.

وعبر وزير الإعلام أسامة هيكل عن خيبة أمله لعدم التزام المواطنين بالتعليمات الحكومية، غير أن مراقبين رأوا أن هناك أزمة في تواصل الإعلام التقليدي مع المواطنين، نتيجة انعدام الثقة فيه، إلى درجة أن الدراسة الأخيرة لفتت إلى أن 12 في المئة فقط من الجمهور يتابعون أخبار كورونا عبر الإعلام الخاص الذي سيطرت عليه جهات حكومية أيضا.

وأوصت وحدة بحوث الرأي العام، في مركز البحوث الاجتماعية والجنائية التي أجرت الدراسة الأخيرة على عينة منتقاة من الحاصلين على الشهادات العليا بنسبة متساوية بين الشباب والفتيات، السلطات الحكومية باتخاذ إجراءات أكثر فاعلية للتواصل مع المواطنين وتوعيتهم.

وقال رئيس جمعية حماية المشاهدين حسن علي إن الإعلام التقليدي أخفق في التوعية، ولم يرتق أداء التلفزيون الحكومي والخاص إلى مستوى الأزمة التي تتطلب استخدام لغة علمية وموضوعية غابت طويلا عن الخطاب العام، فيما استمرت خطابات الحشد والتأييد الدعائية.

وأضاف حسن علي لـ”العرب” أن الدراسة الجديدة جرس إنذار لتغيير أسلوب التوعية الحالي، وتلقي الضوء على انحسار شعبية مذيعي برامج “التوك شو” الذين تعاملوا مع الفشل في الوصول إلى الجمهور بنوع من العصبية ظهرت في نبرات أصواتهم المرتفعة وكانت مثار سخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، بل إن تلك البرامج تسببت في زيادة قلق المواطنين بدلاً من طمأنتهم.

وطالت الانتقادات عمرو أديب مقدم برنامج “الحكاية” على فضائية “أم بي سي مصر”، وذهبت بعض التعليقات إلى التأكيد على أنه “يؤذن في مالطا”، في تعبير عن عدم التفات المواطنين لتحذيراته اليومية.

ويرى متابعون أن الفشل في الحملات التوعوية لا ينفصل عن الكسل العام بعد غياب مؤسسات المجتمع المدني التي كانت تلعب دورا فاعلا في التأثير على المواطنين، وشكلت دعمًا موازيا للحكومة في المناطق الرخوة التي تتقلص فيها قدرتها على التواجد والانتشار.

وأفسح إخفاق الإعلام في التأثير المجال أمام بروز خطابات دينية تبناها مسؤولون كبار في الدولة، وتصدرت بيانات خرجت من الأزهر والأوقاف ودار الإفتاء نشرات الأخبار المحلية.

وأدى اللجوء إلى الاعتماد على الخطاب الديني الرسمي إلى منح الفرصة للخطاب المتطرف الذي تتبناه جماعات سلفية ترفض الإجراءات الاحترازية المتعلقة بغلق المساجد ومنع صلاة التراويح في رمضان والاعتكاف. وراجت خطابات المتشددين وجذبت إليها جمهورا على مواقع التواصل أجهض جانبا من رسائل التوعية التي تبنتها مؤسسات دينية رسمية.

وبرهن الاعتماد على الشخصيات الدينية والفنانين والرياضيين الذين يحظون بشعبية واسعة بين الجمهور على أن هناك أزمات عدة في الخطاب الإعلامي الذي يتسم بالسطحية دون احترام عقلية المواطنين، وأن شعارا توعيا مثل “خليك في البيت” تحول إلى كلمات عابرة لا يهتم بها أحد.

Thumbnail
1