فشل الحاكمين وراء قوارب اللاعودة

الثلاثاء 2017/10/24
تحية استغاثة أم وداع

بات الشبان الحراقة ضيوفا شبه قارين في الحوارات التلفزية التي تعنى بقضية الهجرة السريّة، وفي كلّ مرّة يؤكّد الشاب الناجي من الهلاك المحتّم رغبته وإصراره على معاودة المجازفة بالرقص مع ذئاب البحر من المتمعّشين من أوهام الشباب وبوضع روحه قربانا للمراهنة بين سدنة البحر وأسياد البرّ في الضفة الشماليّة للمتوسّط.

تصاعدت في الآونة الأخيرة وتيرة الهجرة السريّة إلى جزيرة لمبدوزا بإيطاليا، حيث أقرّ المسؤول عن ملف الهجرة في الحكومة التونسية بأنّ ما بين الأول من أكتوبر الجاري والثامن عشر من ذات الشهر وصل إلى إيطاليا نحو 1800 مهاجر تونسي، دون احتساب العشرات الذين فقدوا الحياة ومن قبلها الأمل في الحياة في أمواج البحر المتلاطم.

غير أنّ اللافت في مسألة الهجرة السريّة اليوم كامن في نقطتين غايتين في الأهميّة، الأولى كامنة في انسحاب الهجرة على شرائح اجتماعية كانت بالأمس القريب بمنأى عن التفكير في حيثياتها ونعني أساسا الإناث والكهول والأطفال ما يعني أنّ مقولات انسداد الآفاق والبحث عن فرص للحياة الكريمة لم تعد مقتصرة على فئة الشباب الأعزب.

الثانية متمثّلة في إقدام المهاجرين السريين على أرشفة وتصوير وبث رحلاتهم البحريّة على شبكات التواصل الاجتماعيّ بكل تفاصيلها وتقديم أفراد المركب فردا فردا بل وتوجيههم رسالة مصوّرة إلى أصدقائهم وأقربائهم وفي بعض الأحيان إلى الفاعلين الرسميين في الحكومة والدولة. وهو مؤشر يؤكّد أنّ المهاجرين يعمدون رمزيا إلى حرق كافة سبل العودة وإغلاق كلّ منافذ الإياب لتستحيل الهجرة إلى رحلة بذهاب دون عودة ولتصبح دولة المقصد الأصل والملجأ ومهبط الأفئدة والأحلام وتتحوّل الدولة الأمّ إلى مجرّد منفذ بحريّ أو قل إن شئت “ترانزيت” محكوم بمقتضيات المؤقت والظرفيّ.

تخطئ كافة القراءات السوسيولوجية التي تعتبر الشباب “الحارق” شبابا مغرّرا به أو التي تتمثلّه كشباب فاقد للقدرة على استقراء واستشراف الصعوبات التي تنتظره في إيطاليا وغيرها من الدول الأوروبيّة حيث تؤكّد كافّة المقابلات الصحافية أنّ هؤلاء يدركون جيّدا المخاطر التي تتربّص بهم والمشاكل التي تنتظرهم.

الأمر في الأصل يتعلق بجوانب واستعدادات وطبائع مختلفة وكثيرة، تقف خلف مغامرة الهجرة السرية وليس مجرد أسباب اقتصادية أو سياسات تعسفية ظالمة

ولئن كانت مقدّمات “الرمادية” المستقبلية تجعل البعـض منهم يفكّـر كثيرا قبـل الإقـدام على الهجرة السرية، فإنّ واقع الحال الاجتماعي والراهن الاقتصادي تشكّل محفزات على الانخراط في “لعبة النرد” بين البحر والبرّ.

الشباب العاطل عن العمل أو المستنزف بعمل لا يليق بالحدّ الأدنى من الكرامة البشريّة، والذي شكّل حطب الانتفاضات الاجتماعية في تونس وباقي الدول العربيّة ووقودها وخزّانها الرمزي، اصطدم بـ“النفعيّة” المقيتة للفاعلين السياسيين الذين استثمروا في آلامه وآماله قبل أن يتركوه وحيدا بعد أن استنزفوه في الاحتراب الانتخابيّ.

المفارقة أن ذات الذين رفعوا شعار توظيف 500 ألف شاب تونسيّ في انتخابات 2011 أو الذين جاؤوا من بعدهم من الذين زعموا أنّ الفقر والتهميش والبطالة في تونس “مؤقتة” دون أن يقدّموا نماذج تنموية حقيقيّة، هم ذاتهم الذين يتساءلون عن الأسباب التي تدفع شريحة من الشباب إلى الهجرة السريّة وتحرّض شريحة أوسع على الهجرة.

تؤكد الدراسات العلمية في علم الاجتماع أنّ هناك 3 مؤشرات على الفشل التنمويّ والمجتمعيّ وعلى فقدان المشروع الوطني الجامع، الأول متمثل في كثرة نسب الانتحار والثاني متجسّد في الزيادة الملحوظة للجرائم الاجتماعية ونعني بها الاغتيالات والاغتصاب والتحرّش الجنسيّ، والثالث كامن في الهجرة السريّة والإصرار عليها رغم المخاطر.

فشلت الطبقة السياسية والمدنية في تونس في اجتراح مشاريع مجتمعيّة تمثّل رافعة للشباب وقاطرة أمل للعائلات التونسيّة، عقب ثورة 14 يناير كانت المطلبية الاجتماعية صنو الاستحقاقات السياسية والإعلامية.

الوعي بالعجز عن تأمين الأساسيات مع الوعي بالعجز النسبيّ عن إيجاد البدائل، أفضيا مع جملة من الأسباب الأخرى إلى تحوير خطير وهادئ في دور العائلة التونسية من خطّ الدفاع الأوّل ضدّ الهجرة السرية إلى خطّ محايد نسبيّا.

من حقّ ومن واجب الدولة التونسية أن تمنع المهاجرين السريين من عبور الحدود خلسة، ولكنّ من واجبها أيضا خلق البديل وإيجاد محفزات البقاء والتدخّل السريع عبر حوار مجتمعي شامل وخلق شراكات متوسطية جديدة واستحثاث الاستثمارات الغربية.

12