فشل الغرب في معالجة الإرهاب يؤجج دموية الجهاديين

الجمعة 2015/01/16
المسلمون في أوروبا يطالبون بإيقاف موجة الإسلاموفوبيا التي أججها الإرهاب ضد المسلمين

تأثيرات الحدث الفرنسي لم تقتصر على النظر الأوروبي للإسلام دفاعا أو تحميلا للمسؤولية، بل طالت شظاياها التيارات الجهادية المتهمة بالضلوع في صنع الحدث. قراءات قريبة من تلك الجماعات أشارت إلى ارتفاع منسوب التنسيق بين التيارات الجهادية التي ابتكرت ضربا من تبادل الأدوار.

الاستنفار السياسي والأمني، الذي ظهر في التضامن مع فرنسا، بعد الأحداث الإرهابية التي شهدتها أخيرا، فسره البعض على أنه إعادة اعتبار للتكاتف الدولي، ضد سوس التشدد الذي بدأ ينخر في عدد من المجتمعات العربية، وأنه كفيل بأن يردع كل من تسول له نفسه، ارتكاب عمليات إرهابية جديدة، لكن هناك من فسر التلاحم الصاعد، على أنه مبرر لمزيد من الاستهداف، بل سيؤدي إلى وقف الحرب الخفية المعتملة في صفوف الجماعات الإرهابية، والتي أدمنت محاربة طواحين الهواء.

حذر خبراء في الحركات الإسلامية من تزايد حدة التطرف في العالم خلال الفترة المقبلة، خاصة بعد تصاعد ما يوصف بـ “الإسلاموفوبيا”، وعقب المسيرة التي شهدها ميدان الجمهورية في باريس الأحد الماضي، وشارك فيها عدد كبير من الرؤساء والمسؤولين والزعماء من دول مختلفة، للتنديد بالأحداث الإرهابية، التي ضربت صحيفة “شارلي إيبدو” ومطعم ومتجر للمجوهرات في فرنسا، أكد العديد من الخبراء في مجال الجماعات الإسلامية الحركية أن تلك المظاهرات ستزيد من تفشي التطرف الإسلامي لعدة أسباب.

فقد صرح جهاديون سابقون، لـ “العرب” أن مشاركة بنيامين نتانياهو رئيس وزراء إسرائيل في المسيرة، كانت أكبر هدية قدمت للتنظيمات المتشددة، التي من المتوقع أن تستغلها، للحد من مصداقية الرسالة التي أراد القادة توصيلها، وهي أن العالم “يد واحدة ضد الإرهاب وتجنيد المزيد من شباب المسلمين”. فقد بدأت خطابات الزعم أن “العالم كله توحد ضد الإسلام، وأن مسيرة فرنسا قد تكون مقدمة لحرب صليبية جديدة على الإسلام”.

مشاركة نتانياهو في المسيرة كانت هدية قدمت للتنظيمات المتشددة التي من المتوقع أن تستغلها لمزيد الحشد

صبرة القاسمي، جهادي سابق، وخبير في شؤون الحركات الإسلامية حاليا، قال لـ “العرب” أن العمليات الإرهابية، التي شهدتها فرنسا “من الممكن أن تكون نواة لتقارب حقيقي بين القاعدة وداعش”، ومن المرجح أن يفضي الاستنفار الدولي إلى استقطاب أكبر عدد من الشباب المسلم في أوروبا وغيرها.

وقد أشار القاسمي إلى أن التنظيمات الجهادية، التي يفهم منطلقاتها جيدا، استفادت من أحداث فرنسا النوعية، ومن رد الفعل العالمي، وأن المسيرة التي خرجت في ميدان الجمهورية في باريس، سوف تكون لها انعكاسات وتأثيرات كبيرة في المستقبل، للإيحاء أن الإسلام نفسه أصبح مستهدفا أكثر من ذي قبل. وتوقع صبرة حدوث عمليات إرهابية خلال الأيام القادمة، في عدد من الدول الغربية والعربية أيضا، بتكتيك مختلف، وشكل ربما يكون أقوى مما حدث مع “شارلي اييدو”، مشيرا إلى أن هذه العملية تعتبر من العمليات الكبيرة، وستؤثر تداعياتها على مشاعر وتحركات الخلايا النائمة على الأرض، ما يدفع للقول بأن “هناك مواجهات شرسة قريبا، وأن العالم على شفا مذبحة أو أكثر، قد تكون أشد بشاعة”.

ولم يستبعد الجهادي السابق أن يسترجع تنظيم “الدولة الإسلامية” زخمه، بعد التراجع الذي شهده عقب ارتكابه بعض المذابح المصورة، لافتا إلى عدم توقف المبايعات له، من جانب تنظيمات جهادية أخرى، خاصة بعد شيوع مبايعة أحد منفذي العمليات الإجرامية في فرنسا للخليفة المزعوم أبو بكر البغدادي . وكانت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تابعة لمتطرفين، بثت شريط فيديو، قيل أنه لأحد منفذي عمليتي احتجاز الرهائن في باريس، ولم يتسن التأكد من صحته.

كشف كوليبالي، الذي تحدث في الشريط باللغة الفرنسية، عن علاقته بالأخوين كواشي اللذين نفذا الهجوم على صحيفة “شارلي إيبدو”، مؤكدا أنه نسق الهجوم معهما، وتابع أنهم “قاموا بالعمليتين بشكل منفصل حتى يحدثوا أكبر تأثير ممكن”. وفي السياق نفسه أيد مصطفى زهران الباحث في شؤون الحركات الجهادية الرؤية التي ذهبت إلى أن أحداث فرنسا “بداية لموجة إرهابية جديدة”، وصرح لـ “العرب” أنها قد تكون “أشبه بحرب جهادية تشنها الجماعات المتطرفة ضد الغرب”.

أوضح زهران أن المشهد الذي تابعه العالم في ميدان الجمهورية، ربما يجعل من المواجهات بين الغرب والإرهاب حربا عالمية تتوحد فيها كل الجماعات الراديكالية والجهادية، تحت لواء واحد، في مواجهة ما يتم الترويج له على أنه “حرب ضد الإسلام”.

الحركات المتشددة نظرت إلى مسيرة الجمهورية على أنها مشهد من العصور الوسطى أشبه بفترات الحروب الصليبية

وقد كشف الباحث أن هناك نوعا من توزيع الأدوار بين التنظيمات الجهادية، يعرفه كل خبير في متابعة أدبياتها بدقة، بحيث يتولى تنظيم القاعدة تنفيذ عمليات داخل الدول الغربية، على أن يكتفي تنظيم داعش بالشرق الأوسط. وأشار إلى أن التقارب بين تنظيمات داعش والقاعدة والنصرة بدأ يظهر أخيرا في سوريا، بعد التأكد من نية التحالف الدولي لشن حرب واسعة عليها، حيث تم الاتفاق على أن تتولى جبهة النصرة الموالية للقاعدة، المواجهات أمام حزب الله في عرسال، على أن يركز تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) جهوده في مواجهة قوات بشار الأسد في أماكن أخرى، ومحاولة تجنب الوقوع تحت قصف طائرات التحالف الدولي، عبر الاستمرار في سياسة الاندساس داخل صفوف المدنيين.

عمرو عبد المنعم الخبير في الشأن الجهادي والإسلامي، قال أن بعض الحركات المتشددة، نظرت إلى مسيرة ميدان الجمهورية على أنها “مشهد من العصور الوسطى، وأشبه بفترات الحروب الصليبية”، وقال لـ “العرب” أن مشاركة زعماء من دول مختلفة، كشفت أن قضايا العرب والمسلمين ودماء ضحاياهم، لا تمثل شيئا قياسا بالدم الغربي، منوها إلى أن المشاركة الإسرائيلية في المسيرة المناهضة للإرهاب، عززت لدى تكفيريين فكرة الحرب الكونية على الإسلام، التي تستغلها التنظيمات المتطرفة لجذب المزيد من الشباب وتجنيدهم في صفوفها.

وقد حذر عبد المنعم من أن العالم بأسره يتجه لموجة شديدة من التطرف، ومشهد الصراع بين الغرب والجهاديين، من الأرجح أن يتطور بشكل سريع خلال الفترة المقبلة، داعيا إلى ضرورة وجود أطروحات لمناقشة ومواجهة الفكر المتطرف في المنطقة العربية، قبل أن تحرق نيرانه الكثير من الشعوب.

13