فشل المعارضة التقليدية في الأردن يفتح المجال أمام التيار المدني

مسؤولون سابقون ينتقدون مساعي جهات رسمية لتحجيم التيار الوليد، والإخوان يواصلون حالة الإنكار رغم تسونامي المهندسين.
الجمعة 2018/05/11
تاه بين راياتهم

عمان - يسجل الأردن صعودا للتيار المدني بوتيرة ثابتة وإن كانت بطيئة، في مقابل تراجع واضح لتيار الإسلام السياسي الممثل أساسا في جماعة الإخوان المسلمين التي لطالما احتكرت مشهد المعارضة طيلة العقود الماضية بيد أنها فشلت في تحقيق أدنى تغيير بسبب سياساتها المتقلبة على ضوء المتغيرات المرتبطة أساسا بالخارج، الأمر الذي انعكس على طريقة تعاطي السلطة معها، فضلا عن خسارتها لمنسوب الثقة في الأوساط الشعبية الأردنية بسبب خطابها “المتلون” والصراع الدائر بين أجنحتها على النفوذ والذي أفضى إلى انشقاقات كبيرة في صفوفها.

وتقول أوساط سياسية أردنية إن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في الأردن، وفشل كيانات المعارضة الكلاسيكية وعلى رأسها جماعة الإخوان في الاضطلاع بدورها، أفرزا حاجة إلى بروز تيار مدني قادر على كسر حالة التكلس والجمود الحاصلة في الحياة السياسية الأردنية، وإعادة تفعيل دور المعارضة لتكون لسان دفاع المواطن الذي أثقلت كاهله السياسات الحكومية التقشفية.

وتضيف هذه الأوساط أن الوضع الداخلي الأردني الهش فضلا عن التطورات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، ساهما بشكل ملحوظ في تزايد الوعي بضرورة خلق حالة سياسية جامعة قادرة على إحداث التغيير، وهناك الكثير من الأردنيين ممن يجدون في ولادة تيار مدني خطوة إيجابية نحو هذا التغيير المنشود.

ويترجم نجاح قائمة “نمو” المحسوبة على التيار المدني في انتخابات نقابة المهندسين ضد قائمة “إنجاز” لجماعة الإخوان، وجود حيثية شعبية لهذا التيار الوليد الذي لا يمكن تصنيفه ضمن اليسار أو اليمين وإن كان يتقاطع معهما في جملة من المبادئ. وتعد نقابة المهندسين، أكبر النقابات المهنية في الأردن حيث ينضوي تحتها أكثر من 80 ألف مهندس، وتعتبر إحدى قلاع جماعة الإخوان المسلمين التي سيطرت عليها طيلة 26 عاما.

وشبه البعض خسارة الإخوان لانتخابات المهندسين بـ”التسونامي”، وأضفت ردود الفعل النارية لقيادات إخوانية صدقية على هذا التشبيه، حتى أن قيادي من الجماعة وصل به الأمر حد توصيف الفائزين في قائمة “نمو” بالمثليين” و”الماسونيين” واللادينيين”.

وعادة ما يطلق الإخوان مثل هذه التوصيفات لتشويه خصومهم من التيارات العلمانية، ولكنها لم يعد لها أدنى تأثير، لا بل إن مفعولها صار عكسيا لجهة حالة النفور المتزايدة من الخطاب الإخواني في الأوساط الشعبية الأردنية، الذي يقوم على ذم الآخر وتقزيمه بدل أن يراهن على برنامج واضح يستقطب به الشارع.

ويرى مراقبون أن ردة فعل جماعة الإخوان على خسارة انتخابات المهندسين تعكس اهتزاز الثقة في صفوفهم، لإدراكهم بتراجع حضورهم بشكل دراماتيكي في المشهد النقابي والسياسي الأردني، وسط توقعات بأن تجر هذه الخسارة انتكاسات أعمق وأخطر تمس وجودهم، مع تصاعد نجم التيار المدني الذي قد يزيحهم من المكانة التي سعوا على مدار عقود لتكريسها.

ومؤخرا دعا وزير الشؤون السياسية والبرلمانية موسى المعايطة، “الأحزاب والتيارات السياسية الإسلامية إلى القبول بالدولة المدنية فعليا وعمليا وليس تكتيكيا”.

مروان المعشر: جهات في الدولة ترى أن التيار المدني يمكن أن يكسر احتكارها للقرار
مروان المعشر: جهات في الدولة ترى أن التيار المدني يمكن أن يكسر احتكارها للقرار

وأكد على “ضرورة أن تقبل التيارات الإسلامية بمبدأ التجديد والإصلاح، وتطوير فكر سياسي قائم على فصل الدعوي عن السياسي”، مشددا على “أهمية عدم الاكتفاء بإدانة الفكر الظلامي والتطرف، بل العمل على توفير بيئة حياة وعيش لأطفالنا ليعيشوا في دولة المواطنة والدولة الوطنية المدنية القائمة على أساس سيادة القانون واحترام حق الاختلاف وقبول الآخر والتعددية والتنوع”.

ويرى مراقبون أن صعود نجم التيار المدني وتحوله إلى رقم صعب في المعادلة الأردنية يبقى محفوفا بالمخاطر ليس فقط لجهة حملة التشويه التي يتعرض لها من الإخوان والأطراف القريبة منهم، بل لجهة موقف الدولة التي يرى جزء منها في هذا التيار تهديدا مستقبليا له.

فرغم إبداء الدولة اهتماما بتكريس مفهوم المدنية في الواقع، وهو ما ترجمته الورقات النقاشية التي طرحها العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، وآخرها الورقة السادسة، بيد أن هناك اتهامات لجهات داخل الدولة بالعمل على إجهاض أي مسعى لبروز تيار أو حزب مدني قادر على فرض نفسه على الساحة السياسية.

ويتساءل رئيس الوزراء المصري الأسبق طاهر المصري عن “سبب تخوف جهات رسمية من قيام الأحزاب”، مشددا على أن “الدولة المدنية لا تقوم إلا من خلال الأحزاب، ولا أرى منطقا بمنعها في الجامعات”.

ومن جهته يقول رئيس الوزراء الأسبق وأحد مؤثثي المشهد في السلطة لعقود مروان المعشر في مقال نشره مؤخرا “إن التيار المدني يتعرض لمحاولات كثيفة لشيطنته، وتصوير مؤيديه ساعة بأنهم ضد الدين وتارة بأنهم أصحاب أجندة طائفية، وأخرى أنهم من المثليين. ومن جهة أخرى، يتعرض التيار لهجوم من جهات من داخل المؤسسة الرسمية يرون أنه يمكن أن يؤدي في المستقبل إلى كسر احتكارهم لصناعة القرار”.

ويضيف المعشر الذي يشغل حاليا منصب نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، أنه “مطلوب من الدولة الاعتراف بأن هناك تيارا مدنيا من حقه المطالبة بدولة المؤسسات والقانون وبناء نظام من الفصل والتوازن. ومن حقه العمل السياسي كما تقوم بذلك التيارات الدينية. وللأسف، هناك محاولات اليوم لمحاربة التيارات المدنية سبقتها محاولات لمحاربة التيارات الدينية، وكأن لسان حال بعض أذرع الدولة يرفض كل المحاولات التأطيرية لمختلف التيارات، مدنية كانت أو دينية”.

 ويعد المعشر من أكثر الدعاة لإنشاء تيار مدني ديمقراطي قادر على المساهمة بفاعلية في إثراء المشهد العام والارتقاء بالساحة السياسية المترهلة.

ويعد مروان المعشر أحد المؤسسين لتحالف التيار المدني الذي أعلن عنه في يناير الماضي، ويتشكل من قاعدة عريضة من الليبراليين ونشطاء التيار المدني، في خطوة أولية باتجاه إعلان حزب سياسي اجتماعي مدني بأدبيات تخالف اليمين واليسار.

وبدأت جهود تأسيس هذا التيار منذ نحو عامين، بعد أن بات واضحا أن هناك حاجة أكيدة لضخ دماء جديدة تغني الساحة الأردنية، ورغم حداثة عهده نجح التيار في اقتلاع مقعدين في الانتخابات النيابية الماضية عبر قائمة “معا”.

2