فشل المفاوضات مع إثيوبيا يضع مصر أمام خيارات محدودة

هل تدفع التصدعات في ملف سد النهضة القاهرة إلى ما هو أبعد من الاحتكام إلى مجلس الأمن؟
الأربعاء 2019/10/23
مياه مضطربة

يضع فشل المفاوضات المصرية مع إثيوبيا بشأن سد النهضة، القاهرة في سباق مع الزمن قصد البحث عن مخارج لأزمة تهدّد أمن شعبها المائي، خاصة أن المواقف الإثيوبية بدت أكثر تصلبا ما أدى إلى خلق مزاج وردود فعل غاضبة في صفوف المصريين.

  القاهرة – وصلت التصدعات في ملف سـد النهضة إلى مرحلة حاســـمة، القرار الذي سيتّخذ فيها سيسطر مستقبل إثيوبيا ومصر، كما بقيـــــة دول حوض النيـــــل؛ خاصة وأن ما اتخذ من سياسات وما تم إمضاؤه من اتفاقيات لم يكن سوى مسكنات لم تعمل إلا على تراكم المشـكلة مع مرور السنين. القضية بالأساس سياسية وإستراتيجية ومسـألة أمن قومي.

وأدى الانهيار الأخير للمحادثات مع إثيوبيا بشأن بناء سد النهضة، عند منبع نهر النيل، إلى ترك مصر أمام خيارات محدودة في سعيها لحماية المصدر الرئيسي لمياه شعبها.

وانهارت المحادثات في وقت سابق من هذا الشهر حول بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير الذي تبلغ تكلفته 5 مليارات دولار، والذي اكتمل بنسبة 70 بالمئة ومن المنتظر أن يوفر الكهرباء التي يحتاج إليها 100 مليون شخص في إثيوبيا.

وتخشى مصر، في المقابل التي يبلغ عدد سكانها حوالي نفس الحجم في إثيوبيا، من أن عملية ملء الخزان خلف السد يمكن أن تخفّض من حصتها من النهر، وسينتج عن ذلك بعض العواقب الوخيمة.

ووصفت وسائل الإعلام المصرية هذه التطورات الجديدة بأنها تهديد للأمن القومي قد يستدعي التدخل العسكري.

وقال الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، متحدثًا في الأمم المتحدة الشهر الماضي، إنه “لن يسمح أبدًا” لإثيوبيا بفرض “الأمر الواقع” عن طريق ملء السد دون عقد اتفاق، مضيفا “بينما نعترف بحق إثيوبيا في التنمية، فإن مياه النيل هي مسألة حياة، إنها مسألة وجود لمصر”.

مصر تخشى من أن عملية ملء الخزان خلف السد يمكن أن تخفض من حصتها من النهر، وستنتج عن ذلك بعض العواقب الوخيمة

من جهتها، قالت رئيسة إثيوبيا، سهلي ورق زودي، متحدثةً أيضًا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن بلادها تعتقد أن “استخدام النهر يجب أن يتم تحديده وفقًا للقانون الدولي والاستخدام العادل والمنصف للموارد الطبيعية”.

وتجري مصر محادثات منذ سنوات مع إثيوبيا والسودان، اللتين اشتكتا منذ فترة طويلة من نصيب القاهرة الكبير من النهر، والذي تنصّ عليه المعاهدات التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية.

ثم توقفت هذه المحادثات في وقت سابق من هذا الشهر، وهي المرة الثالثة التي تتوقف فيها المحادثات منذ عام 2014.

وقال مسؤول مصري، في تصريحات صحافية، “لقد سئمنا من التسويف الإثيوبي. لن نقضي حياتنا في محادثات غير مجدية. جميع الخيارات مطروحة، لكننا نفضل الحوار والوسائل السياسية”.

وتواصلت مصر مع الولايات المتحدة وروسيا والصين وأوروبا، على أمل التوصل إلى صفقة أفضل من خلال الوساطة الدولية، حيث قال البيت الأبيض في وقت سابق من هذا الشهر إنه يدعم المحادثات للتوصل إلى اتفاق مستدام مع “احترام حقوق مياه النيل لبعضنا البعض”.

وقال محمد الملا، مسؤول بوزارة الخارجية المصرية، إن القاهرة سترفع النزاع إلى مجلس الأمن الدولي إذا رفض الإثيوبيون الوساطة الدولية.

وأغضب هذا التصريح إثيوبيا التي تريد حل النزاع من خلال المحادثات الثلاثية. وقال مسؤول إثيوبي إن المقترحات التي قدمتها القاهرة حتى الآن “تم تصميمها عمداً بطريقة لا تناسب إثيوبيا”، مضيفا “الآن يقولون إن إثيوبيا رفضت العرض وتدعو إلى تدخل طرف ثالث”.

ويتركز الخلاف الرئيسي حول ملء خزان السد البالغ حجمه 74 مليار متر مكعب. تريد إثيوبيا أن تملأه في أقرب وقت ممكن حتى تتمكن من توليد أكثر من 6400 ميغاوات من الكهرباء، وهو ما يعد دفعة أكبر من الإنتاج الحالي البالغ 4000 ميغاوات.

وهذه العملية لديها القدرة على الحد بشكل كبير من تدفق مياه النيل الأزرق، وهو رافد رئيسي لنهر النيل، الذي تغذيه الأمطار السنوية في المرتفعات الإثيوبية. وإذا حدث الملء خلال إحدى فترات الجفاف الدورية في المنطقة، فقد يكون تأثير الملء حينها أكثر حدة وصعوبة.

وقال مسؤول بوزارة الري المصرية، والعضو في فريق التفاوض التابع لها، إن مصر تقترح ملء الخزان خلال ما لا يقل عن سبع سنوات، وأن تقوم إثيوبيا بضبط السرعة وفقًا لهطول الأمطار.

ويوفر نهر النيل أكثر من 90 بالمئة من المياه العذبة في مصر. ويعتبر المصريون من بين أقل الشعوب نصيباً للفرد من المياه في العالم، بحوالي 570 مترا مكعبا في السنة، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 1000 متر مكعب في السنة. أما نصيب الفرد في إثيوبيا فهو في المتوسط 125 مترا مكعبا في السنة.

وتدفع مصر لضمان الحد الأدنى من تدفق مياه النيل الأزرق بمقدار 40 مليار متر مكعب في السنة. وقال مسؤول الري إن أي شيء أقل يمكن أن يؤثر على سد أسوان العالي في مصر، مما يتبعه عواقب اقتصادية وخيمة.

 التفاوض ليس كافي للحديث عن نية في التوصل إلى حل
 التفاوض ليس كافي للحديث عن نية في التوصل إلى حل

وقال مسؤول الري “يمكن أن يؤدي إلى توقف ملايين المزارعين عن العمل. قد نفقد أكثر من مليون وظيفة و1.8 مليار دولار سنويًا، بالإضافة إلى 300 مليون دولار من الكهرباء”. وقال المسؤول إن إثيوبيا وافقت على ضمان 31 مليار متر مكعب فقط.

ومن المقرر أن يجتمع الرئيس السيسي مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الحائز على جائزة نوبل للسلام لهذا العام، الأربعاء في مدينة سوتشي الروسية، على هامش قمة روسية – أفريقية. وقد يكونان قادرين على إحياء المحادثات من جديد، لكن المخاطر ترتفع مع اقتراب السد من الاكتمال.

وقال آبي أحمد للمشرعين الإثيوبيين الثلاثاء إن المفاوضات هي أفضل فرصة لحل مأزق النيل وأن خوض الحرب “ليس في صالحنا جميعًا”.

وتأمل إثيوبيا في الانتهاء من المشروع الذي تأخر كثيرا بحلول عام 2023. وقال كبير مهندسي مشروع سد النهضة الإثيوبي، كيفل هورو، إن المشروع قد اكتمل الآن بنسبة 68.5 بالمئة وأن الاستعدادات جارية لاستكمال توليد الطاقة من التوربينات بحلول العام المقبل.

وقد حذرت “مجموعة الأزمات الدولية”، وهي مؤسسة فكرية مقرها بروكسل، في وقت سابق من هذا العام من أن “مخاطر الاشتباكات في المستقبل قد تكون حادة إذا لم تتوصل الأطراف أيضًا إلى اتفاق بشأن إطار طويل الأجل لإدارة الأنهار على نطاق الحوض”.

وفي الأسابيع الأخيرة، كانت هناك دعوات من بعض المعلقين في وسائل الإعلام المصرية الموالية للحكومة المصرية قد صعّدت من خطاباتها بعد فشل المفاوضات.

وأكد الباحث الإثيوبي داويت كيبادي لـ”العرب” في اتصال هاتفي من أديس أبابا، أن الكثير من الأصوات الإعلامية والسياسية التي هاجمت النهج المصري في قضية سد النهضة ووصفته بـ”المتعنّت والمتعجرف”، هدأت بعد أن عكست جائزة نوبل حالة القبول والتأييد العالمي لسياسة رئيس الحكومة السلمية، والتي أرغمت الرأي العام على قبول النهج الجديد بسعة صدر وترقب، طالما لم ينعكس ذلك بالسلب على الداخل الإثيوبي.

وكان عبدالله السناوي، وهو كاتب عمود بارز في صحيفة الشروق اليومية المصرية، قال إن البدائل الوحيدة هي تدويل النزاع أو القيام بعمل عسكري.

وكتب في عمود الأحد “مصر ليست محافظة صغيرة. إذا فشلت جميع الخيارات الدبلوماسية والقانونية، فقد يكون التدخل العسكري إلزاميًا”.

واستحضر الصحافي المصري أنور الهواري، النزاع بحرب عام 1973 مع إسرائيل، التي شنت فيها مصر هجومًا مفاجئًا على شبه جزيرة سيناء. وكتب على فيسبوك “إذا ناضلنا من أجل تحرير سيناء، فمن المنطقي أن نحارب من أجل تحرير المياه. الخطر هو نفسه في الحالتين. والحرب هي الرد الأخير”.

6