فشل بناء المجتمع المدني في بلداننا

الخميس 2014/12/04

لاشك أن الأسباب التي أدت، ولا تزال تؤدي، إلى فشل بلداننا في بناء مشروع الدولة ما بعد الاستعمارية الحداثية والعصرية على أسس ديمقراطية كثيرة، منها هذا السقوط المدوي في فخ الدكتاتورية وحكم الفرد الواحد المتجبر منذ حصول بلداننا على الاستقلال بدلا من الحكم الجماعي في إطار أخلاقيات التداول على السلطة، وتخلف بنياتنا الثقافية التقليدية المؤسسة إما على القبلية أو الطائفية الدينية أو العشائرية أو الفردية الطاغية، والتي لم تستبدل ببنيـات ثقافيـة وسياسية واجتماعية أساسها المواطنة وحقوق الإنسان واحترام الحريات، وكذلك عدم إحداث قطيعة حاسمة مع الإرث الاستعماري وفي صلبه الرأسمالية الاستغلالية التي حطمت ولا تزال تواصل تفقير وتغريب مواطنينا ومواطناتنا، وتحطيم موروثنا الاجتماعي الذي كان يتميز تاريخيا بالوازع الجماعي.

في هذا الإطار يمكن لنا اعتبار انفجار الربيع العربي ضد الحكم الفردي المستبد الذي دشنته تونس بمثابة إعلان لبدايات نهاية لمرحلة تقليدية ودكتاتورية، وبداية لمخاض معقد وطويل يمكن أن يؤدي بنا إلى الدخول في العصر الحديث، رغم ما لحق هذا الربيع من انحرافات أصولية إسلامية متطرفة وتصدعات وانتكاسات.

ولكنّ هناك عاملا آخر لا يقل أهمية وهو يمثل أحد أسباب عدم نجاح بلداننا في كسب رهان التحول الديمقراطي وبناء عمارة المجتمع العصري والحديث، ويمكن حصره في فشل حكام بلداننا في تأسيس طور المجتمع المدني الحر الذي يفترض أن يكون المسرح الذي تربّت فيه القيادات الوطنية.

في كتابه “انتكاسة الثورة في العالم الثالث” حدد الباحث سامي منصور مجموعة من العوائق والأسباب التي حالت، ولا تزال، دون التحول المدني والحضاري بعد نيل بلداننا لاستقلالها حتى الآن في النقاط التالية:

1 - “السبب الرئيسي يرجع إلى أن زعماء هذه الدول لم يخلفوا وراءهم جيلا يحمي مكاسب ثوراتهم”.

2 - “الأحزاب التي تكونت حول هؤلاء الزعماء لم تتمكن من خلق قيادات جديدة تمارس العمل بدلا من الكلام المطاط والمناقشات الكاذبة ولا شيء غيرها”، مما أدى إلى عدم إنشاء جيل قادر على “حماية هذا الاستقلال، فخرج جيل جديد تائه في المظاهر الكاذبة ويفتقر إلى الصلابة وهو ليس مدركا لضخامة المسؤولية الملقاة على عاتقه”.

ومن نتائج هذا التخبط بروز “تيارات ترفع شعارات التقدمية ليس إيمانا بها، ولكن بحثا عن طريق مضمون لتحقيق مكاسب شخصية”، و”تيارات تدعي الحفاظ على التراث القائم سواء كان على أسس تاريخية أو دينية، وذلك ليس إيمانا به بقدر ما هو طريق سهل إلى عواطف الجماهير، باعتبار هذه العواطف القنطرة التي قد توصل يوما إلى السلطة.

يضيف سامي منصور عنصرين لعبا دورا بارزا في تكريس مشكلة عدم الشعور بالانتماء لدى مواطنينا الذي أصبح أزمة مستدامة تنخر بلداننا.

فالعنصر الأول يتمثل في وصول فئات انتهازية “إلى مراكز قيادة أكبر من قدراتها ولكنها احتفظت بها بحكم الفراغ الإداري”، وقامت هذه الفئات الانتهازية بتصوير الموقف “على أن هناك صراعا بين قديم وجديد، أو بين شيوخ وشباب، ونجحت فعلا في تصوير هذا الموقف رغم كل ما فيه من أخطاء”. أما العنصر الثاني فيتلخص، حسب سامي منصور في استمرار قدر من الروابط العاطفية والإنسانية بين الذين جلسوا على كراسي السلطة وبين بقايا المجتمع القديم”.

نتيجة لكل هذا فقد فرَخت “معالم الصورة المهتزة صورة مريضة في شكل يسار بالغ التطرف، أو يمين متجمد الفكر أو نزعات فاشية خطيرة، ولكنها كلها كانت في نطاق أقلية”، ولقد أسفر سيناريو إبعاد الأغلبية من الجيل الجديد عن المشاركة في إدارة الدولة والشأن العام إلى شلَ “قدرته على المساهمة في عمليات البناء”.

إن تشريح الباحث سامي منصور لهذه الأسباب التي تحدث سلاسل التمزقات المتتالية في مجتمعاتنا، يرمي في الجوهر إلى إيجاد البدائل القادرة على صياغة مشروع التغيير نحو الأفضل على مستوى الثقافة والاقتصاد والسياسة والتنظيم الاجتماعي من أجل تنفيذ وعود التنمية والتحديث والعصرنة على المستوى المادي والسياسي والأخلاقي والفكري، ومن أجل ربح معركة بناء الوحدة النفسية لدى الجماهير الشعبية التي دون إنجازها لا يمكن أن تحقق التصور والعمل في إطار التلاحم الحقيقي والنظام الديمقراطي التعددي الذي يقبل بالتنوعات والاختلافات.

من العوائق الكبرى التي تكبل بلداننا وتعمق فشلها في الانتقال إلى الديمقراطية نجد العائق المتمثل في الانقطاع المستشري بين الأجيال، وهو الآفة التي تكرس الفرقة والتشظي بدلا من التكامل.

وفي الحقيقة فإن هذا الانقطاع يعود أصلا إلى عدم تأسيس حكامنا القابضين على السلطة بأنياب فولاذية للتقليد التربوي السياسي والأخلاقي والاجتماعي الذي يعنى بإعداد الأجيال الجديدة لتسلم المسؤولية والنهوض بها على أسس مدروسة بإحكام بهدف بناء هياكل الدولة التقدمية العادلة والضامنة للرعاية الاجتماعية.

مما لاشك فيه أن الأحزاب تتحمل مسؤولية مباشرة، بحكم أنها من المفترض أن تكون الإطار المدني المخول بتكوين الإطارات سياسيا، وتعليمها فنون القيادة، والنضال السلمي، وجعلها تنخرط رويدا رويدا في عمليات إدارة الحكم وتسيير الشؤون المتصلة بالتنمية بكل أنماطها ومجالاتها، ولكن أحزاب الواجهة التي عرفتها بلداننا، قد فشلت، حتى يومنا هذا، فشلا ذريعا في القيام بمثل هذه المهمة.

إلى جانب فشل هذه الأحزاب فإن المنظومة التربوية التي تمثل عصب المجتمع اختزلت مهمتها في تخريج حاملي الشهادات وليس حاملي مشروع النهوض والتغيير في مجالات الفكر والسياسة والأخلاقيات الاجتماعية المتحضرة ذات الصلة العضوية بالعمل الميداني المنتج، ولقد ساهم هذا في التغييب الكامل للمجتمع المدني كشكل من أشكال التنظيم الشعبي الواسع، كما هو سائد في الدول المتقدمة والمتطورة فإن المجتمع المدني يعدّ بمثابة المحرك الحيوي للحياة الوطنية المتقدمة في شتى المجالات الحيوية.

من الملاحظ أن الحكام الذين حكموا بلداننا ليست لهم فلسفة ورؤية علمية في ما يتصل ببناء أسس المجتمع المدني، الذي يعتبر المصنع الحقيقي الذي تصنع فيه الشخصية القاعدية الشعبية التي تفرز التيارات الفكرية، والثقافية والفنية المؤمنة بالتغيير والتحول الاجتماعي الحداثي.

فالسائد عندنا هو أن الروابط والجمعيات والتنظيمات ذات الطابع الوطني أو المحلي، التي تمثل المجال الشعبي العام للدولة، والقوة الحيوية للمجتمع، إنها تعاني إما من سوء التنظيم الذاتي جراء ندرة التجربة، أو من التفكك في ظل غياب التلاحم والمشروع المشترك.

وفي الغالب فـإن تدخلات الأنظمة الحاكمة عندنا في شؤون هذه الروابط والجمعيات قد أدت إلى فرض التبعية عليها وجعلها مجرد ملحقات للنظام السياسي المهيمن عليها.

وهكذا فإن تغييب المجتمع المدني كفضاء حر وجامع للطاقات والكفاءات، قد ساهم فعليا في تكريس فوضى الأجيال المتعاقبة، وفي نشر أفكار خاطئة تصور المجتمع المدني على أنه مجرد تنظيمات شعبوية شكلية، وليس جزءا لا يتجزأ من القوة الناعمة لمجتمعاتنا.

ومن هنا، فإن عدم تحقق مشروع الدولة العصرية المتطورة يعود جزئيا إلى غياب نموذج طور المجتمع في السياسات الحكومية العرجاء على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان، وهو المشروع الذي كان من المفروض أن يكون المدار الذي تتحرك حوله كافة القوى الاجتماعية وفي طليعتها الأجيال الشابة.


كاتب جزائري

9