فشل ثربانتس في كتاباته المسرحية قاده إلى كتابة "دون كيخوته"

الكاتب ميجل دي ثربانتس عمل في مسرحياته على تناول الموضوعات الحيوية الملحة القريبة من الناس، بعدما عاصر أجواء بلاده المضطربة.
الاثنين 2019/01/21
الفشل في بلوغ خشبة المسرح خلق دون كيخوته

تعتبر رواية "دون كيخوته" من أشهر وأهم الأعمال الأدبية العالمية، لكن رغم شهرة الرواية فإن الكثيرين يجهلون أن كاتبها ميجل دي ثربانتس كان يكتب للمسرح، وقاده فشل أعماله المسرحية رغم أهميتها، إلى كتابة روايته الشهيرة، التي أتت بعد معاناة كبيرة عاشها الكاتب بين السجن والتهميش.

كتب ميجل دي ثربانتس صاحب الرواية الأشهر “دون كيخوته” أعمالا مسرحية عديدة قبل تأليفه تلك الرواية، كما أنه أبدع في كتابة المسرحية القصيرة ذات الفصل الواحد، وتمتد قرابة ربع الساعة. وقد عانى من عزوف المنتجين عنه؛ لذا توارت أعماله المسرحية واستقرت في غياهب النسيان منذ كتابتها في القرن السابع عشر وحتى الآن.

وقامت الباحثة هالة مدكور بترجمة وتقديم ثمانية نصوص مسرحية قصيرة لثربانتس في كتاب بعنوان “انتخاب العمد.. ثمانية نصوص مسرحية قصيرة”، يضم مسرحيات ألفها الكاتب الإسباني ميجل دي ثربانتس بمدريد عام 1615، وقد صدرت هذه النصوص المسرحية القصيرة قبل وقت قصير من العام نفسه الذي أخرج فيه إلى النور الجزء الثاني من روايته الأشهر “دون كيخوته”..

دون كيخوته تمثل ذروة تألق خصوبة الكاتب الفنية
دون كيخوته تمثل ذروة تألق خصوبة الكاتب الفنية

وقد حرص المؤلف على طباعة أعماله المسرحية، بعدما أصابه السأم واليأس وفشل سعيه في الدفع بها للممولين لعرضها مسرحيا. ونجدها تمثل قمة نضجه الأدبي، لما تتسم به من عمق التكثيف وقوة التركيز.. كما أنها تجسد، واحدة تلو الأخرى، الواقع المعيش فترصد لنا جوانب الحياة كافة.

تشير المترجمة إلى أنه قد وردت إشارات لدى أغلب النقاد، سواء بالمراجع العربية أم الإسبانية، تفيد بكتابة ثربانس لعدة أعمال مسرحية، لكنه عانى أزمة نتيجة عدم تحقيقها النجاح وانصراف المسرحيين عنه. وكردة فعل قام ثربانتس بطباعة كتاباته المسرحية، بعد أن أدخل العديد من التعديلات واستغنى عن بعض القواعد الأرسطية.

أفكار مضطربة

تؤكد المترجمة أن ثربانتس عمل على تناول الموضوعات الحيوية الملحة القريبة من الناس، بعدما عاصر أجواء بلاده التي تموج بالاضطرابات في تلك الفترة، والتي حملت في طياتها الأفكار الدينية المتعصبة، ويرصد من خلال أعماله انعكاس ذلك وتأثيره على جوانب الحياة كافة هناك. وقد بدأت أزمات ثربانتس الشديدة مع الديون منذ بداية عام 1590، وظل يبحث عن مخرج لذلك، حتى أنه قام بإرسال مذكرة للملك عام 1590، وأرفقها معلومات حول أمر أسره وسجنه الذي استمر حتى عام 1580، وناشده خلالها برغبته في الحصول على وظيفة في بلاد العالم الجديد. لكن الرد أتى إليه كالتالي “لعله من الأفضل أن تبحث لك عن وظيفة هنا”.

ثم حدث وتراكمت عليه الديون، واتهم بالاختلاس عام 1597، لعدم الدراية وقلة خبرته الوظيفية، فأدى به ذلك إلى الوقوع تحت طائلة القانون والزج به في السجن، ولم تكن تلك المرة الوحيدة بل الأولى فقط، حيث سجن بعدها مرة أخرى، وهناك من النقاد من يذكر أنه لجأ لوساطة الملك فليبي الثاني، من أجل إعفائه والإفراج عنه، لكن القاضي لم يستجب لذلك بل مدّد له ثلاثة أشهر أخرى بالسجن حتى خرج في أبريل عام 1598، ولهذا يرجح أن الإرهاصات الأولى لرواية “دون كيخوته” ولدت هناك، حيث ترد الإشارة إلى أنه قد كتب عمله الأشهر هذا خلال فترة سجنه. ويؤكد أمر تأليفه لروايته الأشهر بالسجن، من خلال اعترافه الآتي “أثمرت تخصيبها بأحد السجون، أينما تجد كل علة مقعدها”.

مسرحيات قصيرة وساخرة انتصرت على التهميش
مسرحيات قصيرة وساخرة انتصرت على التهميش

والمعلومات تكاد تنعدم حول الفترة التي تلت خروجه من السجن منذ أبريل عام 1598 وحتى مارس عام 1600، حيث لا نعرف عنه شيئا يذكر غير أن عشيقته آنا فرانكا قد توفيت آنذاك، وبعد أن تم إعفاؤه من مهامه الوظيفية في عام 1603، وأوشك على الزج به في السجن للمرة الثالثة في بلد الوليد، بسبب جريمة قتل حدثت أمام منزله، حيث اتهم بها ومعه أهل منزله من النساء. ثم تمت تبرئته، وكان ذلك عام 1604 أي قبل عام واحد فقط من توقيع عقد روايته “دون كيخوته” التي صدرت في مدريد، والتي تمثل ذروة تألق خصوبته الفنية.

ويعتقد أن مرجع العديد من الشخصيات والحكايات الموجودة في دون كيخوتة هي المرويات  التي سمعها من سجانيه الجزائريين حيث قضى في  الاسر الجزائري قرابة الخمس سنوات ما بين 1575-1580.

المسرحيات القصيرة

استطاع ثربانتس أن يعلي من شأن الأعمال المسرحية القصيرة وجعلها تتنافس مع مكانة المسرحيات الطويلة في أدب اللغة الإسبانية، كما أن كتاب المسرح الإسباني في الفترة التي تلته، عملوا على تقليد الطريقة التي ابتكرها في رسم شخصياته وتكنيكه البنائي الدرامي، وأسلوبه في تصوير المشاهد ومنهجه في استخدام اللغة بها، وقد نالت مسرحيات “الإنترمس″ الإعجاب، وحصدت تقدير النقاد المحليين والأجانب. وعلى هذا، يتم تعريفها بأنها عمل درامي يتسم بأن امتداده لا يزيد على فصل واحد، وتتميز الشخصيات بكونها كوميدية هزلية. وتكون خاتمة العمل غالبا موسيقية، أي أن النهاية غالبا ما تتكون من أبيات مغناة بمصاحبة موسيقية.

الكاتب استطاع أن يعلي من شأن الأعمال المسرحية القصيرة وجعلها تتنافس مع المسرحيات الطويلة في الأدب الإسباني
الكاتب استطاع أن يعلي من شأن الأعمال المسرحية القصيرة

وترى المترجمة هالة مدكور، في ما يخص أسلوب التناول الثربانتي في ذلك الجنس المسرحي، أنه يتسم بكونه كوميديا فكاهيا، فرضته الأوضاع الاجتماعية والمتغيرات الاقتصادية ومتناقضاتها، والتي تتأرجح ما بين الجدّ والهزل، وأحدثت خللا في نظام معايير القيم التي صارت محل جدل عندما طرأت تلك المتغيرات على المجتمع الإسباني منذ النصف الأول من القرن السادس عشر.

وهناك تأكيد على أن هذا التناول الكوميدي الساخر لا يمثل ابتعادا عن الجدية، بل يوجد حرص والتزام بالمعيار الفني الأدبي، مما يقودنا إلى أن نبين أن ثربانتس التزم في أعماله بصفة عامة و”الإنترمس″ بصفة خاصة، بمبادئ أرسطية صارمة.

تلك المبادئ التي يطلق عليها معايير الفن الكوميدي القديم، وهي تطل علينا من خلال أعمال كتاب المسرح، مثل خوان ديل إنثينا ولوكاس فرناندث وتورس ناآرو ولوبي دي رويدا، ويعد ذلك الأخير من أبرز الكتاب الذين تأثر بهم مؤلفنا، وتحدث عنه خلال تقديمه لكتابه الذي يضم أعماله في الإنترمس.

14