فشل سياسات العدالة والتنمية يسرع بأفول نجم أردوغان

الاثنين 2015/06/08

فاز حزب العدالة والتنمية بتشكيل الوزارة في العام 2002، لأسباب تتعلق بالأزمة الاقتصادية العميقة التي كانت تشهدها تركيا وبالفساد المستشري في مؤسسات الدولة حينها. وقد رفع الحزب في ذلك الوقت شعارين هامين أولهما ضدّ الفساد والثاني ضدّ خصخصة الاقتصاد التي لم تقتصر على شركات القطاع العام بل شملت حتى “خدمات الدولة ومرافقها”، وفق عدد من خبراء في الاقتصاد.

وعلى الرغم من أنّ تلك السياسة التي اتبعها الحزب قد أنقذت تركيا بشكل نسبي إلاّ أنها أدخلتها في أزمة عميقة كذلك، حيث تراجع الاقتصاد التركي بالعموم وتجاوزت نسبة البطالة 11 بالمئة وتراجعت المكتسبات الاجتماعية ومنها التعليم وقيمة الأجور.

ويقول بارتول سورال، المدير السابق عن ملف تركيا في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ” شهدت تركيا نموا اقتصاديا في فترة حكم العدالة والتنمية، ولكن في حقيقة الأمر انهار الاقتصاد داخليا في الفترات اللاحقة”، أي أنّ سياسات حزب أردوغان همشت تركيا ولم تلحقها بركب البلدان المتقدمة. وقد دفع يأس أردوغان وحكومته من ثمة إلى التفكير في منطقة الشرق الأوسط باعتبارها سوقا واسعة يمكن استغلالها تجاريا واقتصاديا بصفة عامة.

وقد انخفضت قيمة العملة التركية في الأشهر القليلة الماضية بنسبة 10 بالمئة دفعة واحدة، وتصاعد الخلاف بين أردوغان ووزير الاقتصاد من ناحية ورئيس البنك المركزي التركي من ناحية أخرى، بسبب نسبة الفائدة، فالأخير يريدها عالية لأنها تساعد وفق رأيه في استقرار العملة ومحاصرة التضخم، غير أنّ أردوغان يريد تخفيضها.

وقد أثّر هذا الخلاف الذي تداولته وسائل إعلامية عديدة، على وضع الاقتصاد التركي ككل، كما أنه يوضح أنّ الأزمة في الاقتصاد لم تحلّ وهي هيكلية وليست ظرفية، وبإضافة المخاطر السياسية إليها فهي ماضية في التعمّق، ما دفع العديد من رؤوس الأموال الضخمة إلى مغادرة تركيا وفق بعض التقارير الاقتصادية. حيث أنّ مؤسسة “مورغان ستانلي” أكدت أن تركيا واحدة من الدول (الخمسة الهشة) ذات الاقتصاديات الصاعدة الأكثر عرضة لخطر الانكماش الاقتصادي. وصحيح أنّ شعار محاربة الفساد قد ساعد أردوغان مرارا على الوصول إلى رئاسة بلدية إسطنبول أولا ولاحقاً إلى الحكومة ووصوله إلى الرئاسة لاحقا، لكنّه لم يحل بينه وبين أن تحوم شبهة الفساد حوله، حيث وجّهت هذه التهمة ضد أبنائه ولأربعة وزراء من حزبه، وتسبب ذلك في تدخل أردوغان في التحقيق القضائي وأيضاً عبر قضاة تابعين لحزبه، مما قضى على استقلالية القضاء والقانون في البلاد، وتمّت إحالة الأمر إلى مجلس النواب لمتابعة القضية، في مساع لطمسها، حيث يشير محللون إلى أنّ تلك القضية لو وجدت صدى إعلاميا كبيرا لها، كان من شأنها أن تكشف فساد حكومة أردوغان، وهو ما كان سينعكس حتما على شعبية حزبه.

تلك السياسات أنتجت تذمرا واسعا لدي الشعب التركي، زادت من حدته أخونة السياسات التركية والتركيز على القضايا المرتبطة بكل من سوريا ومصر وليبيا وفلسطين، ومحاولات العثمنة الجديدة وتقديم أردوغان لنفسه ولحزبه وكأنهم يعيدون تركيا إلى هويتها الأساسية، أي العثمانية، وما يعنيه ذلك من سعي لنسف الهوية العلمانية التي أسسها أتاتورك والتي سمحت لحزب أردوغان ذاته وقبله حزب الرفاه والفضيلة الإسلاميين بالوصول إلى البرلمان والحكومة والرئاسة مع غول وبعده أردوغان.

غير أنّ تحقيق حلم أردوغان السلطاني، ما فتئ يصطدم بمعوقات كبيرة تحول دون تحقيقه في الحاضر وحتى في المستقبل، ومن بين تلك المعوقات؛ تصاعد شعبية “حزب الشعوب الديمقراطي”، وهو حزب كردي منفتح على اليسار التركي المبعثر وعلى العلمانيين وفئات متضررة كثيرة من سياسات أردوغان، ويتفق مع الأحزاب التركية القديمة شأن حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية، في خطأ سياسة حزب العدالة والتنمية بخصوص دعم الجماعات الجهادية في الشرق الأوسط، كما يرفض محاولات أردوغان أسلمة الدولة وتهديد علمانيتها.

وتهديد حزب الشعوب الديمقراطي، لأردوغان لا يقتصر على رفض سياساته فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى كونه في حال فشل العدالة والتنمية في دخول البرلمان بكتلة نيابية كبيرة، فإنّ الشعوب سيعلن تشكيل برلمان محلي في ديار بكر، وهذا يعني نسف كل الاتفاقيات بين حكومة أردوغان وبين الأكراد، خاصة أنّ أردوغان لم يف بوعوده تجاه الأكراد، وترك أكراد سوريا يواجهون مصيرهم، بل ودعم داعش وقوى تكفيرية وإرهابية على حسابهم.

الثابت أنّ أردوغان بات يواجه تحديات متنامية على جميع الأصعدة، أبرزها تراجع أداء اقتصاده، وانكفاء شعبيته التي رافقته منذ 2002 بشكل كبير، وهذا الموقف لا يشمل العلمانيين والأكراد فحسب بل كذلك جمهوره الخاص. وبالإضافة إلى ذلك فإنّ سعي أردوغان لنسف النظام البرلماني والمضي في نهج تهيئة جلّ الظروف لتركيز حكم استبدادي يستفرد فيه بالسلطات يجابه اليوم بمعارضة شديدة ويثير تجاهه الكثير من الحنق الشعبي.

مشكلات عديدة من ثمة تتراوح بين الاقتصادي والسياسي وأخرى تتعلق بالنمط المجتمعي وبمشاريع الأخونة، يبدو أنها ستكون بمثابة الشوك الذي سيعكر صفو أردوغان الطامح إلى “السلطنة”، وهو ما تجلت ملامحه مع الانتخابات البرلمانية التي أسدلت ستارها أمس، والتي ربما ستؤشر على بداية النهاية لنجوميته التي تعالت لثلاثة عشر عاما متتالية.

6