فشل في سن الخمسين

الاثنين 2016/11/07

خمسينية أيام قرطاج السينمائية التونسية رغم الجهد المبذول في تنظيمها، تمر هكذا في فوضى ليست بعيدة عن الفوضى التي تشوب المشهد السياسي والاجتماعي التونسي. مهرجان سينمائي عريق في عمر الخمسين كان من المنتظر أن يكون عرسا حقيقيا وأن يتدارك المصاعب التنظيمية ويستمر في مبدأ الانفتاح على سينما أفريقيا والعالم، لكن ماذا وجدنا في المقابل؟

وجدنا مهرجانا ولد ليرسّخ السينما بين الناس كبارا وصغارا بسطاء ومثقفين بعيدا عن السينما التجارية والسطحية، وقد نجح في هذا على مدار دورات عدة رغم نقائصها، لكنه تحول في ما بعد من مهرجان سينما ملتحمة بالشارع إلى مهرجان البساط الأحمر، بساط أحمر مشوّه على ظهره ركّب سينمائيون أجنحة للارتفاع عن الجمهور والناس، الذين تحول اسمهم من جمهور أو محبي سينما أو هواة إلى “دخلاء”، وفق أصحاب الأجنحة الواهمة.

أمام نزل أفريكا بالعاصمة التونسية، حيث يقيم أغلب ضيوف ونجوم المهرجان، تم ضرب طوق مشدد منع أي فرصة للقاء “النجوم”، ليكن ذلك، ربما لأمر أمني وهذا مفهوم، ثم يحدث افتتاح تهريجي في مقر قصر المؤتمرات بالعاصمة، حيث كان البساط الأحمر الذي أسال لعاب الكثيرين للمرور من فوقه، حتى من غير السينمائيين. ليكون الافتتاح بتلك الأزياء التهريجية للبعض من الممثلات والممثلين، وهنا لا نحاكم أحدا على لباسه فهو حرية مطلقة، لكن رغبة المهرجان في الانفتاح على العالمية أفقدته خصوصيته وهذا ما يجب تداركه، كما يجب تدارك اختيار الأفلام وإخراجه من سلطة المزاجية إلى معايير مضبوطة لتقديم لوحة سينمائية متكاملة للتونسيين بعيدا عن سلطة تجار السينما الذين يتعاملون وفق مبدأ الربح والنفع من دعوة هذا واستبعاد ذاك.

إضافة إلى ذلك شاهدنا ما حصل في حفل الاختتام، حيث ممثلات يتهافتن على النجم المصري عادل إمام ليفزن بصورة سيلفي معه، حيث مقدم يقول كلاما يمثل رأيا خاصا لا يليق بالمنصة التي عليها أن تمثل المهرجان لا الآراء الخاصة، حيث المستاء أكثر من الراضي، لكن يبقى أمل ما في التغيير، رغم الفوضى والارتجال اللذين شهدتهما هذه الدورة من المهرجان أكثر من أي دورة سابقة. فوضى في العروض قبلها وبعدها، فوضى في استقبال الضيوف الأجانب واحترامهم، وهو ما حدا بالكثير منهم إلى المغادرة منذ اليوم الأول. بينما من حضر من السياسيين خاصة في الافتتاح كان لافتا، وكأن بالسينما والثقافة عامة فرصة لتبييض كل وجه سياسي في ساحة سياسية مليئة بالصراعات السوداء.

بعيدا عن المنظمين الذين يرأسهم السينمائي إبراهيم لطيف، والتي تحتاج إلى دماء جديدة في تآلف وتكامل مع ما سبق، شهدت هذه الدورة من أيام قرطاج السينمائية حضورا جماهيريا لافتا، أناس متعطشون لأفلام مختلفة، فما يحسب لهذه التظاهرة هو مبدأ الابتعاد عن السينما التجارية الذي حافظ عليه المهرجان ويجب تدعيمه أكثر في كل دورة. لكن ما أثار استياء المتابعين أن الجمهور المتعطش وجد نفسه في طوابير طويلة ليقتنص بطاقة لفيلم يجب أن يحجز قبل ساعات، فيما كان يمكن مثلا أن يكون الحجز عن بعد في ظل الانفتاح التكنولوجي، والتفكير في طرق بديلة في قادم الدورات، لتجنب السوء التنظيمي، كأن يبدأ فيلم بعد ساعتين من الوقت المحدد له أو كأن يأخذ الإشهار نصف ساعة أو كأن ينقطع الصوت أو تغيب الصورة أو كأن ينسى المخرج فيلمه المعد للعرض فيُلغى أو كأن يختنق الناس وهم يتزاحمون في الأبواب لدخول قاعة العرض.

عانى محبو السينما كثيرا من سوء التنظيم حيث كانت الدورة في مجملها باهتة لا تليق بخمسين سنة من عمر المهرجان، لكنهم تابعوا الأيام بحب بيّن مدى أهمية السينما والفن عامة في خلق حراك مميز. لذا يجب التفكير جديا في تجاوز سوء التنظيم وعدم تغيير وجه أيام قرطاج السينمائية وترسيخ خصوصيتها وانفتاحها دون الذوبان في منطق المصالح والتجارة الذي ينتهجه البعض.

رغم الزيادة في ميزانية أيام قرطاج السينمائية لهذا العام، ورغم عمل هيئة التنظيم منذ مدة على تقديم دورة استثنائية، فقد عانت هذه الدورة من خلل تنظيمي كبير لكنها نجحت في خلق حراك ثقافي ازدان به الشارع التونسي. لذا يجب تجاوز النقائص التي يعانيها المهرجان وإرجاعه إلى الناس وافتكاكه من لوبيات وتجار السينما والفن وتخطي العراقيل بشكل جدي ومستقل عن أي جهة كانت.

شاعر من تونس

15