فشل محاولات احتواء غضب الشارع ينذر بثورة عارمة في العراق

ظرف عصيب يمر به العراق على مختلف الصعد الاقتصادية والسياسية والأمنية يجعل البلد مهيئا لثورة عارمة، خصوصا بعد حالة الإحباط واليأس التي تملّكت الشارع بفعل تعثر عملية الإصلاح التي تبين قصورها عن ملامسة المشاغل الحقيقية للعراقيين.
الثلاثاء 2015/09/15
هوة سحيقة أصبحت تفصل بين ساسة العراق ومواطنيهم

بغداد - رسم رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أمس صورة سوداوية للوضع في بلاده داعيا مواطنيه إلى الصبر وتجنّب الجزع وعدم الاستسلام إزاء الضائقة المالية وتعثّر الحرب ضدّ تنظيم داعش والمصاعب التي تواجه الإصلاحات التي أعلنها.

وجاء كلام العبادي في وقت يتزايد فيه الغضب والاحتقان في الشارع العراقي الذي لم ير أي أثر ملموس لسلسلة الإصلاحات التي يتخذها العبادي وتبدو للكثيرين سطحية وشكلية وغير قادرة على النفاذ إلى جوهر المشاكل التي يعاني منها البلد.

وحسب توصيف متابعين للشأن العراقي فإنّ رئيس الوزراء أصبح في ورطة تتجاوز شخصه إلى النظام السياسي الذي يمثّله والقائم على حكم الأحزاب الدينية الشيعية وذلك بفعل تدرّج الجماهير المحتجّة في الشارع في مطالبها باتجاه المطالبة بإصلاحات عميقة تطال جوهر النظام ولا تستثني محاسبة كبار الشخصيات الممثلة له.

ويؤكّد مراقبون أن الأوضاع في الشارع العراقي تتجه نحو المزيد من التصعيد، متوقّعين أن يتجاوز المحتجّون الاحتجاجات الأسبوعية أيام الجمعة إلى أشكال أخرى من الاحتجاج لا تستثني الاعتصامات وقد تصل لاحقا إلى العصيان المدني.

ويستند هؤلاء في توقّعاتهم إلى فشل كل محاولات احتواء غضب الشارع العراقي بدءا بحُزَم الإصلاح المعلنة تباعا والتي بدا الشارع غير مقتنع بفاعليتها، ومرورا بمحاولات الأحزاب الدينية اختراق الاحتجاجات وتوجيهها وجهة طائفية، وصولا إلى محاولات ترهيب المحتجين التي مارستها بعض الميليشيات وحملات التخويف من اختراق تنظيم داعش للمظاهرات، والتحذير من رفع المتظاهرين شعارات تمسّ ما يسمى في العراق جوهر “النظام الإسلامي” في إشارة إلى حكم الأحزاب الشيعية.

وبدأت أطراف عراقية، بعضها مشارك في الحكم، تطالب بانتهاج خيار القوّة لكبح جماح المتظاهرين.

ولجأت الشرطة العراقية أمس إلى القوّة لإعادة فتح طريق رئيسي شرق مدينة بعقوبة مركز محافظة ديالى بعد أن أغلقه محتجون مطالبين بإقالة مدير ناحية السلام المتهم من قبلهم بالفساد. وأول أمس الأحد شهدت محافظة بابل بجنوب العراق مصادمات بين محتجين مطالبين بإقالة المحافظ وعناصر من قوات مكافحة الشغب التابعة لوزارة الداخلية التي لجأت إلى تفريق المظاهرة بالقوّة بحجة أنها غير مرخّصة.

حيدر العبادي: علينا أن لا نجزع مما نعانيه بل علينا البحث عن حلول

وبعد مضي عام على تسلّمه منصب رئيس الوزراء، يبدو حيدر العبادي في ورطة شديدة تتضافر فيها الأزمة الاقتصادية الناجمة عن التراجع الحاد في أسعار النفط، مع تعثّر الحرب على تنظيم داعش وارتفاع كلفتها المادية وثقل تبعاتها الإنسانية، فضلا عن تفجّر غضب الشارع وتصاعده رغم محاولات احتوائه بالإعلان عن حزم الإصلاح الشكلية.

وفي ظل هذه المعطيات، يتوقّع مراقبون أن يواجه حيدر العبادي المزيد من المصاعب في قيادة الحكومة، وأنّه سيكون أمام مهمة شبه مستحيلة في التوفيق بين مطالب المحتجّين، وضغوط عائلته السياسية الشيعية التي تحمّله مسؤولية الحفاظ على امتيازاتها ومكانتها التي اكتسبتها منذ صعودها إلى الحكم سنة 2003.

وأكد العبادي أمس مواصلة بلاده لمسيرة الإصلاحات وقتال تنظيم داعش رغم ما يتعرض له البلد من صعوبات جرّاء انخفاض أسعار النفط في السوق العالمية.

وقال أمام مؤتمر للنهوض بالواقع الزراعي العراقي “سنواصل القتال ضد داعش ولا يمكن أن نستسلم وعلينا الانتصار في الحرب ويجب الاستمرار في الانفاق الحكومي بالحد الأدنى من أجل إدامة الحرب وتحقيق الانتصار”. وأضاف “أنا لا أستطيع توفير كل الأسلحة لهذه الحرب للقوات المسلحة والحشد الشعبي بسبب الضائقة المالية ويجب أن يكون هناك توازن بين توفير السلاح الضروري للحرب، وحاجة المواطنين للرعاية والرواتب والخدمات ورعاية الفقراء رغم أن هذا التوازن ليس سهلا لأننا نعيش في أزمة من الممكن الخروج منها منتصرين إذا تعاون الجميع وإذا صبرنا”.

وأوضح “علينا أن لا نجزع مما نعاني منه الآن بل علينا البحث عن حلول وهناك ضغط على الحكومة لإعطاء نتائج للإصلاحات الحكومية، وأننا سنعطي النتائج وفق خطوات رغم أن هناك الكثير ممن يعمل على تأخير مسيرة الإصلاحات وهناك من يقف بوجهها”.

وقال العبادي “لدي قناعة بضرورة الاستمرار في طريق الإصلاح وأنا على قناعة بخسارة الكثير من الأصدقاء بسبب سحب الامتيازات منهم لكن ليست هناك حلول الآن إلا الاستمرار وليس لدي الاستعداد للتراجع عن هذا الطريق”. وأضاف أن “العراقيين يطالبون بالإصلاح لكننا نواجه عقبات تراكمية لا يمكن إزالتها بضربة عصا، بل من خلال إحداث تغيير في عقلية البشر والتعامل مع مؤسسات حتى نستطيع تطبيق الإصلاح”.

وأشار إلى أن العراق لن يزيد الانفاق الحكومي مستقبلا حتى وإن ارتفعت أسعار النفط، مؤكدا “نريد للنفط أن يستخدم لتطوير البلد لا لإهدار الثروة. والآن نحن في مرحلة الحفاظ على الثروة ولانزال نتعامل مع الانفاق الحكومي للتخلص منه دون التأثير على عمل الدولة”.

وانتقد رئيس الحكومة العراقية الخطوات التي اتخذتها الحكومات المتعاقبة حول تقديرات مستويات إنتاج النفط الخام والأسعار ووصفها بأنها كانت “افتراضات خاطئة وعملية مقامرة ومجازفة خطيرة بحياة الدولة والناس”.

3