فصاحة الرئيس صالحة للاستعراض التلفزيوني

الظهور التلفزيوني يمكن أن يرفع أسهم مرشحي الانتخابات أو يهوي بها.
الاثنين 2019/08/26
رئيس فصيح، لقول ماذا؟

يفرض الظهور التلفزيوني على المرشحين للانتخابات مهارات اتصالية سلوكية وخطابية لا تتعلق بمشروعهم الانتخابي أو رؤيتهم المستقبلية لأمور الحكم، بسبب طغيان السمعي البصري على المكتوب في إنتاج الخطاب السياسي، وذلك هو خطر التلفزيون في تقريب الخطيب إلى الناس بصرف النظر أحيانا عن قيمة كلامه.

بعد دقائق من حوار مرشح الانتخابات الرئاسية التونسية عبدالكريم الزبيدي، مساء 22 أغسطس في أحد التلفزيونات الخاصة، ضج فيسبوك بتدوينات تتحدث عن لعثمة الرجل التي يراها كثيرون عائقا في سبيل بلوغه قصر قرطاج. غير أن تدوينات قليلة تحدثت عما قاله الزبيدي في ذلك الحوار مما يوحي بأن المشاهدين اهتموا بانعدام الفصاحة دون القول نفسه.

ولا يجادل أحد في أن الفصاحة أمر مطلوب لبلوغ الحكم ثم ممارسته في الأنظمة القائمة على الانتخابات ويذهب القائمون على الاتصال في الحملات الانتخابية إلى أبعد من الاهتمام بالفصاحة قولا ليصل بهم الأمر إلى مرحلة الفصاحة صوتا جميلا. لقد انتدب فريق المرشح الفرنسي إيمانويل ماكرون، في حملته الانتخابية عام 2017، أستاذا في فن الغناء ليدربه على تحسين صوته وإلقائه.

وهناك كتب كثيرة وورشات ومختصون وغير ذلك من الأساليب والأدوات والابتكارات لنصح المرشحين في شأن لباسهم وقسمات وجوههم ونظراتهم وحركة أيديهم وأجسامهم وموعد كلامهم وتدفقه أو بطئه ونبرة صوتهم وعلوه أو انخفاضه وموعد صمتهم… وكلها أمور تأتي لخدمة الفصاحة. لكن الفصاحة لقول ماذا؟ ليست الفصاحة مضمونا ولا هي أداة للإقناع بمضمون بل هي سلطان المتحدث على المتفرجين لجعلهم ينصتون إليه قبل أن يدركوا فحوى قوله، تماما كما أن فقدان ذلك السلطان يجعلهم يعرضون عنه. وهنا مكمن الخطر في ذلك النمط الاتصالي الذي قد يؤدي بالناس إلى الانبهار بخطباء مفوهين لا مضمون يذكر في كلامهم الجميل وإلى النفور ممن لا صلة لهم بسحر الكلام وإن كان لديهم ما يقال.

الفصاحة ليست مضمونا ولا هي أداة للإقناع بمضمون بل هي سلطان المتحدث على المتفرجين لجعلهم ينصتون إليه

ويتمثل الخطر في أن يصبح المدخل إلى مشروعية الحكم مدخلا تلفزيونيا وإذاعيا تحكمه المظاهر قبل الأفكار بسبب طغيان السمعي البصري على المكتوب في إنتاج الخطاب السياسي. فما حجم أقوال المرشحين في تونس كتابةً مقارنة بحجم أقوالهم تلفزيونيا وإذاعيا؟ ذلك هو خطر التلفزيون في تقريب الخطيب إلى الناس بصرف النظر أحيانا عن قيمة كلامه كتقريب ذات الوجه الحسن رغم سفه أفكارها.

وبالتدقيق في المرشحين الأوفر حظا في الانتخابات التونسية ندرك أنّ وصولهم إلى مرحلة الترشح كان أساسا بسبب شخصياتهم التي أظهرها التلفزيون، حتى الزبيدي نفسه الذي سطع نجمه بعد جنازة قائد السبسي الناجحة تلفزيونيا. لقد اكتشف التونسيون المرشح قيس سعيد بعد تدخلاته المتكررة في الإذاعة والتلفزيون بعد 14 يناير 2011 فأحبوه وساندوه ثم رشحوه لفصاحته والمرشح نبيل القروي الذي مر عبر قناته نسمة. ومحمد عبو ومحسن مرزوق وعبدالفتاح مورو بفصاحتهم التي لا ينكرها أحد.

ولا أحد يقول إنّ لا أفكار لهؤلاء بل إن التلفزيون يطمس أحيانا كثيرة أقوال غيرهم لقلة فصاحتهم أو حتى أقوال الفصحاء عندما يطلب الصحافي من أحدهم أن يحدثه عن برنامجه في مجال الدبلوماسية، إن هو انتخب رئيسا، منتظرا منه جوابا في دقيقتين فيأخذ بذلك تركيز المشاهد والمستمع لا إلى مضمون القول، فليس هناك ما يقال في دقيقتين، بل إلى قدرة المرشح على القول، فيكون التصويت على أشخاص لا على أفكار فيذهب المواطن إلى الاقتراع متفرجا لا ناخبا.

في انتخابات عام 1965 في فرنسا رفض الجنرال ديغول التمتع بحقه في الوقت المتاح للمرشحين في التلفزيون في الدور الأول ظنا منه أنه سيفوز دون الحاجة إلى دور ثان. لم يحصل على الأغلبية فقبل الحديث في التلفزيون استعدادا للدور الثاني، رغم علم الفرنسيين بقيمة الرجل، فأجمع الناس على أنهم اكتشفوا في التلفزيون شخصا آخر ضاحكا مرحا لم يعرفوه من قبل. وخلافا للجنرال ديغول رفض ريتشارد نيكسون الخوض في أي مناظرة تلفزيونية بعد تلك التي خاضها مع جون كينيدي عام 1960، وهي الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، وهُزم فيها ونسج على منواله بقية المرشحين حتى انتخابات 1976 التي تناظر فيها تلفزيونيا جيمي كارتر وجيرالد فورد. وانتخب نيكسون رئيسا عام 1968 بسبب حملته التي ركز فيها على “القانون والنظام” لمحاربة الجريمة.

Thumbnail

إن هذين المثالين يوضحان استفادة ديغول من التلفزيون بتوظيف فصاحته مع أفكاره واستفادة نيكسون من ترك التلفزيون بعدما غمرته فصاحة منافسه جون كينيدي التي أبهرت الأميركيين عام 1960 وما بعده حتى اغتياله في 22 نوفمبر 1963. لقد كان نيكسون محاميا قبل اشتغاله بالسياسة غير أنه لم يبلغ فصاحة كينيدي المختص في الاقتصاد والعلوم السياسية.

وهناك علاقة واضحة بين وظيفة رئيس الجمهورية في العالم والمحاماة. والإحصاء مدهش في ذلك المجال إذ كان من بين الخمسة وأربعين رئيسا أميركيا خمسة وعشرون محاميا ومن بين الخمسة وعشرين رئيسا فرنسيا أحد عشر محاميا، أي أن الرؤساء المحامين يمثلون في البلدين مجتمعين أكثر من النصف. وفي تونس، على قصر عهدها بالرؤساء، كان أحبهم إلى الناس الحبيب بورقيبة والباجي قائد السبسي وهما محاميان.

ويدل هذا مرة أخرى على أن الفصاحة، رغم أهميتها التي لا تقبل جدلا، لم تكن وحدها المحدد الرئيسي في نحت شخصية بورقيبة. كان هناك مع الفصاحة رؤية وفكر وإستراتيجية. ولم يكن قائد السبسي بفصاحة بورقيبة وقد ينكر عليه البعض الفصاحة بالقول إنه سياسي محنك يجيد التورية مفضلا التلميح على التصريح.

ولو كانت الفصاحة تصنع الرؤساء فسيكون رئيس تونس القادم عبدالفتاح مورو بلا منازع فهو أفصح المرشحين. وإن لم يكن هو فأحد ثلاثة: قيس سعيد أو محمد عبو أو محسن مرزوق.

18