فصام ثقافي

الثلاثاء 2017/05/23

الأمثال العربية شكلت خزينا معرفيا اكتسبه الناس من خلال التجربة، جرى تناقله عبر الزمان. من هذه الأمثال مثل يقول إن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. ينطبق هذا المثل على الأشخاص الذين تتناقض أفعالهم مع أقوالهم. حالات الفصام هذه يمكن أن تجدها في الحياة اليومية، كما في حياتنا الثقافية.

المسيح عندما اشتكى له الناس من الفصام بين أقوال رجال الدين اليهودي وأفعالهم، كان جوابه اسمعوا أقوالهم ولا تفعلوا أفعالهم. الثقافة الأميركية روجت لهذه الحالة عندما طالبت بالفصل بين ما يكتبه الكاتب وبين أفعاله. موقف الثقافة الأميركية هذا يعكس رؤيتها للمنتج الأدبي بوصفه سلعة. جودة المنتج هي التي تحدد قيمته بعيدا عن حقيقة كاتبه الأخلاقية وسلوكه.

لا جديد إذًا على مستوى هذه العلاقة بين القول والفعل منذ القديم. تقرأ لكاتب فيعجبك أدبه كثيرا فتتمنى أن تلتقيه وتتعرف إليه، لكنك ما إن تقترب منه حتى تكتشف ما يناقض تلك الصورة الجميلة، التي تولدت عندك من خلال قراءة كتبه.

درجات الفصام هذه قد تكون نسبية بين كاتب وآخر. في أغلب الأحوال لا يختلف بعض الكتاب عن رجال الدين الذين تحدث المسيح عنهم. قد لا يكون هذا غريبا، فإذا كان رجل الدين الذي يمثل سلطة المقدس غير مطالب بأن يطابق بين القول والفعل، فهل يمكن أن نحاكم أدب الكاتب على أساس سلوك صاحبه؟

في كل هذه المستويات والحالات ثمة سلطة أخلاقية تمارس فعلها. شرعية هذه السلطة تنبع من القيمة الجمالية والروحية التي يمارسها الإبداع. السؤال كيف نريد للنص أن يمارس هذه القيمة في المجتمع، دون أن يكون كاتبه مؤمنا بما يقوله؟

الثقافة المعاصرة حاولت وما زالت تحاول تسليع الأدب والفن، من خلال تجريده من علاقته بمنتجه. البنيوية، ثم مدارس ما بعد الحداثة، عملت على قتل المؤلف أو جعل القارئ هو المنتج الجديد للنص. إذًا لم يعد مهما من يكون الكاتب، ولا أن نتحرى حقيقته. أصبح المستهلك للنص هو صاحب القيمة في هذه العلاقة.

مدرسة الفن للفن كانت من أكثر المدارس التي حاولت عزل الفن عن وظيفته الاجتماعية. المدارس المضادة لها عملت على أن تكون المطابقة في الوظيفة بين الفن والأيديولوجيا، وليس بين شخصية المبدع وعمله. كثيرون خانوا أنفسهم، بحثا عن المكاسب ورضا السلطة.

ثمة مشكلة هنا كانت وما زالت ترافق علاقة الجمال بصاحبه. هناك من دفع حياته ثمنا لذلك. وهناك من عانى كثيرا لكي يكون التطابق حقيقيا بين القول والفعل وهؤلاء من يستحقون رفع القبعة احتراما لهم.

كاتب سوري

15