فصل التعليم الديني عن العام تدعمه الحكومة المصرية ويرفضه الأزهر

أفكار التطرف تصبح جزءا أصيلا من المؤسسات الدينية، وقيادات أزهرية تتعنت وتمضي عكس حركات التطوير والتحديث.
الأربعاء 2018/08/29
ثبات في الجمود

القاهرة – يصر الأزهر مجددا على الاستمرار في نهجه المخالف لسياسة الحكومة لمواجهة الأفكار المتشددة، بعدما قرر ترسيخ وضعية مناهجه الدينية، وتكريس ممارساته الفردية لتبدو كأنها تتحدى مؤسسات الدولة الأخرى.

وأصدر شيخ الأزهر أحمد الطيب، قرارا يقضي بإنشاء مجلس أعلى للتعليم الأزهري قبل الجامعي، يضم ممثلين لمختلف الجهات المعنية بإدارة العملية التعليمية داخل مؤسسة الأزهر وعددا من المتخصصين والخبراء في تطوير التعليم، بهدف النهوض بالتعليم.

ويقطع موقف الأزهر الجديد أحد خيوط الربط بين التعليم المدني والأزهري، لأنه يعد موازيا لمجلس التعليم قبل الجامعي التابع لوزارة التعليم والذي يشرف على خطوة تعديل فلسفة التعليم المصري بشكل عام ليقوم على التفكير النقدي وإعمال العقل لدى الطلاب، ما يعني عدم قناعته بتعديل نظام تعليمه بشكل جذري.

تكمن معضلة الأزهر في جموده وعدم قدرته على استيعاب حجم التغيرات المطلوب لمواجهة التطرف الذي استفحل في بعض المؤسسات الدينية، وبينها الأزهر نفسه، بعد أن توغلت الأفكار المتشددة فيها وباتت جزءا أصيلا فيها، ما انعكس على حالة الرفض التي تطال أي محاولة للتغيير والتطوير.

يتخذ الأزهر سلاح الحفاظ على استقلاليته والشعبية التي يمتلكها لدى قطاع كبير من العامة، كأكبر مؤسسة إسلامية في مصر، ليقف معارضا لبعض سياسات الحكومة الرامية إلى مقاومة التطرف والإصلاح الجذري للمؤسسات الدينية المتكلسة.

معضلة الأزهر في عدم قدرته على استيعاب حجم التغيرات المطلوب لمواجهة التطرف الذي استفحل في المؤسسات الدينية 

وظهر ذلك عبر مواقف عدة، كان آخرها الرفض المبطن لعملية دمج التعليم الأزهري بالعام، وبرز فيها الأزهر كرافض لقرارات الحكومة وأهدافها التنويرية بشكل عام، بداعي عدم اتفاقها مع الشريعة وانسياقها خلف التجديد الشامل غير المدروس. اتخذ الأزهر قراره الأخير بعد وقت قصير من طرح الحكومة، عبر وزير التربية والتعليم طارق شوقي فكرة دمج التعليم الأزهري بالعام، على أن يكون تدريس المواد الدينية اختياريا للطلاب، وهو ما لقي اعتراضا من قيادات الأزهر، ثم جاءت خطوة الربط بين الديني والمدني في التعليم.

هاجم عباس شومان، وكيل مؤسسة الأزهر، بشكل علني الحكومة عندما طرحت مسألة الدمج، ووصف دعوات وزير التعليم بـ “الباطلة”، وطالبه بترك مهمة التطوير، مؤكدا أن الأزهر لن يتوقف كثيرا أمامها.

ويرى مقربون من المؤسسة الدينية أن الخطوة الأخيرة جاءت متحدية وكرد فعل على الضغوط التي مارستها أطراف حكومية وبرلمانية لدمج التعليم الأزهري قبل الجامعي بوزارة التربية والتعليم وإلحاقه بخطة التطوير التي سوف تطبق على المراحل الأولى مع بداية العام الدراسي الجديد، وتعتمد بشكل أكبر مخاطبة عقول الطلاب والاهتمام بالأنشطة بدلا من المقررات الدراسية النظرية.

وعلمت “العرب” من مصادر برلمانية أن الأزهر رفض مقترحا قدمته لجنة الشؤون الدينية في البرلمان بتشكيل لجنة من أساتذة جامعة الأزهر وممثلين عن الحكومة لإحداث الدمج بطريقة لا تلغي تدريس المواد الدينية، وهو ما رفضته قيادات المؤسسة الدينية أيضا.

يأتي قرار الأزهر في ظل وجود هيئتين داخله تقومان بالإشراف على المؤسسات الفكرية والتعليمية، الأولى المجلس الأعلى للأزهر والمسؤول عن التخطيط، ورسم السياسة العامة والتعليمية، والثانية قطاع المعاهد الأزهرية ويشرف على قطاع التعليم قبل الجامعي داخل الأزهر. بالتالي فإن المجلس الجديد ما هو إلا رسالة قاطعة برفض المساس بنظامه الداخلي.

ويقول جابر عصفور وزير الثقافة المصري الأسبق لـ”العرب”، إن قيادات الأزهر اعتادت السير عكس حركة المجتمع الذي بدأ يلتفت إلى أهمية تغيير نسق التعليم باعتباره أول خطوات المواجهة الفكرية للإرهاب، لافتا إلى أن نظم التعليم الدينية داخله تلقن المعلومات للطلاب باعتبارها حقائق لا تحتمل النقاش وتساهم في الموقف المتعنت من قبل قيادته الحالية.

في انتظار التطوير والتنوير
في انتظار التطوير والتنوير

يشير مثقفون إلى أن موقف الأزهر لا يتعلق فقط بالجمود تجاه تطوير نظامه، لكنه يعكس جمودا عاما في موقفه من قضية الإصلاح الديني، وسط عدم قناعة علمائه بأن العقل مكمل لمسار الوحي وليس خصما له، وعملهم مع التأويلات وتفسيرات الفقهاء على أنها الأساس ولا فرق بينها وبين القرآن والسنة النبوية عملية خاطئة.

يرى عصام جميل، أستاذ التفكير النقدي بجامعة القاهرة، أن تطوير التعليم الأزهري لن يتحرك مع استمرار ربط النظريات العلمية بالدين، وهي قناعات ترسخت لدى قياداته منذ الستينات من القرن الماضي، حين تأسست كليات علمية ومدنية كي تزيد من الوجه المدني للأزهر، لكن الذي حدث هو العكس، فقد طغى الجانب الديني على الأفكار العلمية.

ويضيف لـ”العرب” أن الخطوات التي يروج لها الأزهر باعتبارها تسير في اتجاه تجديد الخطاب الديني لن يكون لها أثر على أرض الواقع بسبب عدم قيامها على أسس سليمة، وأول هذه الأسس يرتبط بنظامه التعليمي ومدى قابلية علمائه للإيمان بأهمية تدريس الفلسفة بجميع اتجاهاتها، لإعمال العقل والتحرر من الارتباط العلمي بالدين.

يُعد التعليم الأزهري امتدادا لنفس أساليب التعليم الديني، التي سادت في الماضي من خلال الكتاتيب الدينية. وحولت تلك الأساليب المدرسَ إلى شيخ واعظ، تتلخص مهمته في تعليم حفظ القرآن والأحاديث النبوية، وكانت تقتضي في مراحل متقدمة أن يحفظ الطفل ألفية ابن مالك عن ظهر قلب، وكان ذلك الدافع نحو استقطاب العديد من طلابه لجماعات الإسلام السياسي، التي نجحت في السيطرة على عقول الطلاب.

تطوير نظام التعليم داخل الأزهر لا بد أن يكون مستندا على قرار سيادي من رئيس الدولة، وليس من قيادات الأزهر

يبلغ عدد هذه المعاهد الأزهرية في مصر 9569 معهدا تشمل جميع المراحل التعليمية، بالإضافة إلى 225 معهدا خاصا. ويصل عدد الطلاب الدارسين في التعليم الأزهري في مصر من رياض الأطفال إلى الجامعة نحو (2) مليوني طالب وطالبة، بنسبة تصل إلى نحو 12 بالمئة من العدد الإجمالي في مصر، بحسب إحصائية رسمية أصدرتها الإدارة المركزية لنظم وتكنولوجيا المعلومات.

يوضح أحمد سالم، أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة طنطا، أن مواجهة الأفكار المتطرفة تتطلب تعليما موحدا، بدءا من مراحل رياض الأطفال وحتى المرحلة الثانوية، وتعتمد بشكل أكبر على نشر قيم التسامح والعقلانية والاختلاف، مع الابتعاد عن الثقافة الدينية التي تلقن للطلاب بشكل خاطئ وتتحول إلى مدخل للعنف والتطرف.

وتابع في تصريحات لـ”العرب”، أن جزءا من أزمة التعليم الأزهري له علاقة بعدم مسايرة تطور العلوم الحديثة والتوقف لدى حدود ما يرتبط بالجانب الديني فقط، بالتالي فإن العلوم التي تدرس داخل معاهده وجامعاته تعاني قصورا علميا كبيرا أصاب المؤسسات التعليمية بالترهل الفكري والعلمي ولم تستطع السير في ركب التعليم المدني العام.

يواجه الأزهر أزمات داخلية نتيجة سيطرة التيار المحافظ على جوانبه العلمية والدينية، وأن الرفض الحالي لتطويره له سوابق تاريخية حينما طرح شيخ الأزهر الحالي أحمد الطيب وقت توليه منصب رئيس الجامعة، فكرة الفصل بين العلوم الدينية والمدنية وواجه ثورة رفض كبيرة من جماعة الإخوان والسلفيين اضطرته للتراجع عن فكرته.

ويرى البعض من المراقبين أن تطوير نظام التعليم داخل الأزهر لا بد أن يكون مستندا على قرار سيادي من رئيس الدولة، وليس من قيادات الأزهر، غير أن هذا أيضا يواجه عثرات عدة بسبب عدم وجود استراتيجية واضحة لمواجهة الأفكار المتطرفة، كما أن العلاقة المتذبذبة بين الأزهر والحكومة تقف عائقا أمام إرغامه على التطوير.

13