فصل الديني عن السياسي من دروس سقوط الإخوان

الاثنين 2014/02/10
تفطنت فئات واسعة من الشعب المصري والعربي عموما إلى خطورة خطاب الإخوان التضليلي

القاهرة - يعيش الشرق الأوسط ردة فعل ضد حكم الإخوان المسلمين خاصةً وأن قوى العلمانية في المنطقة تشهد صعودا متواترا ومتلازما مع معارضة الإسلام السياسي، بعد أن تفطنت نسبة كبيرة من الجماهير العربية إلى الخلل الذي يحدثه الإخوان المسلمون في علاقة الديني بالسياسي عبر محو الحدود بينهما وإحلال حدود أخرى بين الله والعبد.

“الانتفاضة” التي اندلعت قبل عامين في مصر والتي طالبت بإزاحة الحكم العسكري من السلطة وتنصيب رئيس مدني نابع من انتخابات شعبية، سرعان ما تحولت إلى قوة مناقضة لنفسها بعد عام واحد من حكم الإخوان المسلمين وذلك بخروج الملايين من المصريين في كافة الميادين تطالب بإسقاط الإخوان. وهي نقطة تحول رئيسية في المشهد السياسي المصري.

أما في تونس، فيرى مراقبون أن طريق الحزب الإسلامي الذي كان يقود السلطة مسدودا مع القوى السياسية المدنية والعلمانية التي نجحت في إزاحته من السلطة وتشكيل حكومة تصريف أعمال وذلك لتحميل النهضة المسؤولية عن تردي الأوضاع العامة وتفشي الجريمة السياسية والعنف والتكفير، كما أن القوى الليبرالية وعدة آلاف من التونسيين، خرجوا إلى الشوارع قبل عدة أسابيع تطالب بإسقاط النظام الإسلامي الحاكم.

ويرى الخبراء أن صعود الإسلام السياسي في المنطقة العربية مؤخرا يمكن أن تستفيد منه الشعوب من خلال النقاشات العامة التي تناولت من جديد موضوع الدين والسياسة، إذ يرى الباحث في شؤون الحركات الإسلامية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية “ماهر فرغلي” إن الصراع بين العلمانيين والإسلاميين سيولد حواراً دينياً جديداً حول دور الدين في السياسة، بعد أن تسببت الانتفاضات العربية في المنطقة في صعود كبير لقوى الإسلام السياسي، وما لبثت حتى تراجعت إلى آخر الصفوف بعد ثبوت فشلهم في إدارة البلدان العربية، فضلاً عن ارتباطهم الوثيق بالغرب لتوطيد حكمهم وتحقيق مصالحهم، موضحاً أن الحملة العسكرية في مصر بعد سقوط الإخوان شجّعت ظهور بعض القوى المتطرفة، وانضم إسلاميون متطرفون مع الجهاديين لدعم الإخوان، وجميعهم يرددون مقولة “نريدها دولة إسلامية”.

ورغم الدور الذي يلعبه الدين مع السياسة في بنية الشرق الأوسط، إلا أن الإسلام السياسي اليوم في موقف دفاعي بعد فشل إخوان مصر في تجربتهم التاريخية. فالدين والسياسة سيظلان عاملين رئيسيين في الدور الحالي والمستقبلي للمنطقة العربية طالما أن “إسرائيل” تقدم نفسها على أنها دولة دينية يهودية.

في ما يتعلق بصلة الدين والسياسة في الشرق الأوسط، أشار عمرو أبو الفضل الباحث في شؤون الحركات الإسلامية بمركز الجمهورية للدراسات السياسية إلى أن الدين والسياسة في الشرق الأوسط لهما أهمية خاصة في تاريخ المنطقة وأطوار تطورها بالنظر إلى ميزة نزول كل الأديان السماوية على أرضها. إذ بقي اليهود إلى الآن يعتقدون أنهم شعب الله المختار، وبالتالي فإن اليهودية تمثل مركز الحياة والمجتمع والسياسة لديهم. بينما استخدمت المسيحية في التاريخ القديم الوحي الديني لترشيد الحرب المقدسة، وعندما تم إطلاق الحملات الصليبية، ارتكبت مذابح لتحقيق مكاسب سياسية، وكان لها ما يبررها من خلال بنية التفكير المسيحية. أما عن الدين الإسلامي، فقد لعب دوراً حاسماً في الصراع الحالي بين مختلف المكونات السياسية نظرا للجدية المطلقة التي توليها “الدولة الإسلامية” لمسألة الشريعة والقوانين الدينية التي لا يمكنها العيش في محيط عربي متنوع ومتعدد من ناحية الأديان والطوائف.

أما عن الورقة الدينية كأداة سياسية في يد اللاعبين، فيشير كمال الهلباوي القيادي الإخواني السابق والرئيس المؤسس للرابطة الإسلامية في بريطانيا إلى أن أولئك الذين يرغبون في استعادة الأدوار القيادية في الشؤون العالمية عبر لعب الورقة الدينية وإدخالها في السياسة تحت أغطية خطابية متعددة وبراغماتية، خاصةً أن الدين له مكانة هامة في المنطقة العربية، في اختلاف جذري مع الغرب الذي يعزل الدين عن الممارسة المدنية السياسية نتيجة فترة التنوير وتجارب عصر النهضة.

قادة الدول العربية لا تزال تستعمل الدين من أجل البقاء في السلطة وضمان مصالحها و إبعاد القضايا الكبرى من منابر النقاش العام

من الواضح أن قادة هذه الدول قد استخدموها ومازالوا يستخدمون الدين لحشد الدعم من أجل البقاء في السلطة، حيث تم تسييسه لخدمة المصالح فقط (إسلام السلطة) ومردّ ذلك يعود إلى محاولات الزعماء ضمان تواجدهم في السلطة، فعلى سبيل المثال استخدم الرئيس العراقي السابق صدام حسين كلمات دينية بعد الهجمات الأميركية لأنه كان يعرف أن الجماهير العراقية تتأثر بالخطاب الديني، وهذه الكلمات كانت كفيلة بصد الغزو الأميركي لفترة قصيرة، لكن الشعب لم يصمد كثيراً أمام العدوان.

وفي رأي عبد الرحيم علي الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، الدين سيظل يلعب دوراً رئيسياً في المنطقة. فإذا كانت الديمقراطية والتداول على السلطة يستندان إلى قاعدة دينية يمثلها نموذج في المنطقة مثل “إيران”، فإن مصير الصراع العربي الإسرائيلي سيكون منصبا مباشرة في حساب الخطاب الديني الذي ينزع إلى خلق تناقضات دينية بين الإسلام واليهودية. لكن الخطورة الأكبر تكمن في وجود السلفية وتزايد نفوذها في الشرق الأوسط. فمن وجهة النظر السياسية، يعد السلفيون العلامة التجارية “للمحافظة على الإسلام” ورفض العلمانية، ومعارضة كل ثقافة أو فكرة غربية، كما أنها تريد للمجتمع بأكمله أن يتوافق مع التنفيذ الصارم لما يعتبرونه شريعة، فالسلفية تصف المجتمع في الوقت المعاصر بأنه فاسد أخلاقياً، ولذلك تدعو إلى العودة إلى دين الأجداد. وبقدر نزوعها إلى ما تسميه إنقاذا للأخلاق، بقدر ما تتمترس وراء كم هائل من النصوص و”التفكير النصّي” الذي يمثل حدودا صارمة للسلفية.

صحيح أن العديد من المسلمين يتفقون في الشرق الأوسط على ضرورة التمسك بالقيم الدينية، لكن لكل فرد أن يمارس الحرية الدينية حسب اعتقاده الشخصي وتكوينه النفسي والعلمي و الاجتماعي. أما عن تصاعد القوى الإسلامية في الشرق الأوسط، فإنه مناط بالفشل السياسي والاقتصادي والتنموي للديكتاتوريات “العلمانية” في المنطقة وليس لنقص التدين لدى الجماهير، وسيظل غرض إسلاميي الشرق الأوسط هو التقاط مؤسسات الدولة، سواء ببطاقات الاقتراع أو البنادق، مع تطبيق قواعد صارمة على المجتمع مثل حظر الكحول، وطريقة لباس الإناث، والفصل بين الجنسين في الأماكن العامة وهي تقريبا محاور تفكير معظم الإسلاميين.

13