فصل جديد في مسرحية العبث

السبت 2015/06/06

الأخبار السيئة تصلك مثل سرعة البرق، مطعمة بالشائعات والمنكهات والمبالغات حتى تصبح شبيهة بالأرز الهندي اللاذع، المكون من خلطة عظيمة من البهارات مع رشة قليلة من الأرز.

في الأيام القليلة الماضية، ذهب عدد كبير من النسوة في مدينة البصرة العراقية ضحية لنزاع عشائري، العدد كان يتضاعف يوما بعد آخر حسب توارد الشائعات؛ حتى وصل الرقم إلى 50 امرأة، لكن مسؤولا في المدينة تصدى للشائعات المغرضة وأعلن على مسؤوليته أن العدد لا يتجاوز 3، متهما جهات إعلامية بتهويل الخبر وتضخيمه!

في فصول مسرح العبث العراقي، كل مواطن ومواطنة قابل للقتل والبيع والحرق والتأويل بسبب أو بغيره، ولأن سلطة القانون غابت أو غيّبت عن واجباتها في تنظيم الحياة المدنية ظهرت البدائل التقليدية العرفية في محاولة لـ “فك” الاشتباكات، التي تدور على قدم وساق بين أفراد وجماعات تتناحر وتتقاتل على أتفه الأسباب.

يعرّف باحثون “الفصل”، بفتح الفاء، بأنه الدية التي تفرضها العشيرة على الشخص الذي يخّل بكرامة أحد أبنائها أو حرمته وهي تدفع لذوي الضحية كنوع من الدعم والتعويض، هذا التقليد العشائري قديم ومتعارف عليه لحقن الدماء وإنهاء ظاهرة الثأر، لكن القانون لا علاقة له بهذا؛ حيث يتم النظر إلى القضايا عادة والعقوبة المترتبة عليها وفق نصوص وأدلة لا وفق أهواء أصحابها وأمزجتهم.

يبدأ فرد جامح بارتكاب جريمة أو فعل خارج عن الأعراف، فتدفع العشيرة بأفرادها ثمن جريمته عدا ونقدا، منازل وسيارات ونساء أيضا. وتؤخذ المرأة، بوصفها مجرد سلعة تنقل بين مكان وآخر ضمن سلسلة إجراءات التسويات العشائرية و”طُعم” لترضية الطرف الغاضب في النزاع، فتدفع مكرهة ثمن جرم لم ترتكبه، هذا الثمن الذي يظل يلاحقها ويخزيها بقية حياتها حتى يصبح وصمة عار في جبين ابنها الذي ستكون كنيته في يوم ما من المستقبل “ابن الفصلية”.

الخبر الذي تناقلته الألسن يشبه حكاية “الرجل الذي عضّ الكلب”، وهو مثل كان يدرّس لتلاميذ الصحافة كتعريف للخبر المهم الذي يختلف عن الخبر العادي الذي يقول بأن “الكلب هو الذي عضّ الرجل”، أما الكلب الذي عضّ الخبر هنا فكان صوتا من بين أصوات عدة خرجت في تأييد للعملية البطولية بسبي النساء على طريقة العشائر، مستندا في تأويله هذا على حقيقتين؛ أن دفع النساء كـ “فصلية” عينية أفضل من دفع النقود لأن الأخيرة ربما تستخدم لشراء مزيد من الأسلحة وتتسبب في عمليات ابتزاز وقتل ثأرية أخرى، كما أن الزواج على هذه الطريقة الحديثة من شأنه أن يقضي على الأمراض الوراثية المتداولة بسبب الزواج بين أبناء العمومة في العشيرة الواحدة!

في حين، أن من يعوّل عليهم الفصل في هذا الشأن المفجع، قد التزموا الصمت كعادتهم وتركوا الضحية تساق إلى مصيرها المحتوم ما دام العدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة! طالما أن الضحية لا تدري بأنها ضحية؛ خوفا أو جهلا أو خنوعا.

يحدث هذا في المدينة التي خرج منها السندباد البحري ذات ليلة من الليالي الألف، في رحلات طويلة إلى بحور الدنيا، يحدث في فينيسيا الشرق؛ مدينة البصرة العراقية التي لعبت دورا بارزا في التاريخ العربي والإسلامي بماضيها العريق ورصيدها الزاخر، بنسائها الشامخات بكبرياء أهل الجنوب، بعلمائها وأدبائها وشعرائها الذين ولدوا فيها أو عاشوا على أرضها ونهلوا من علومها، بالفراهيدي والحسن البصري والجاحظ ورابعة العدوية والسياب ومحمد خضير.

هكذا تموت المدنية وتدفن في قبر مجهول دون شهادة، ولا يبقى في البصرة سوى خرابها.

21