فصل حي الشعب عن الأعظمية: هل ستتغير خارطة بغداد

لا تبدو المبررات التي ساقها مجلس محافظة بغداد لتبرير قراره الذي اتخذه قبل أكثر من أسبوعين، والقاضي بفصل حي الشعب عن الأعظمية مقنعة لسكان المنطقتين المتجاورتين، حيث تم اعتباره قرارا غير حكيم تفوح منه رائحة الطائفية وملامح فكرة تقسيم جديد لخارطة البلاد.
السبت 2016/08/27
تقسيم تفوح منه رائحة الفصل الطائفي

بغداد - يلوح شبح تقسيم العراق منذ الغزو الأميركي للبلاد سنة 2003، ورغم أن هذا المخطّط ظلّ حبيس صفحات الدراسات والتقارير الإعلامية ولم يتجاوز تصريحات المسؤولين وقراءات الباحثين، إلا أنه يبدو اليوم أقرب إلى التحقق، لكن ليس في شكل دويلات وأقاليم طائفية، كما يروّج له منذ سنوات، بل بطريقة تفتيت أخرى، أشدّ خطرا لأنها طويلة المدى وتعتمد على تقسيم الجزئيات الصغيرة للدولة، وهي تقسيم المحافظات وفصل الأقضية وتغيير جغرافيتها.

ويطرح هذه المقاربة قرار صدر في صمت في الثالث من شهر أغسطس الحالي عن مجلس محافظة بغداد، يقضي باستحداث قضاء الشعب بعد فصل الحي عن حي الأعظمية. ورغم أنه صدر منذ مطلع الشهر إلا أن تقريرا لموقع “نقاش” كشف أن أغلب السكان لم يكن لديهم علم بقرار فصل منطقتهم، إلا عندما سألهم معد التقرير إبراهيم صالح عن رأيهم فيه.

وجاء في تقرير، الموقع المعني برصد الداخل العراقي، أن سكان المنطقة الواقعة في الجزء الشمالي الشرقي من العاصمة بغداد لم يبدوا أي تفاعل مع قرار فصل منطقتهم عن قضاء الأعظمية التابعة إليه إداريا، بل إن غالبية هؤلاء لم تسمع أصلا بما قرّره مجلس محافظة بغداد بشأن استحداث قضاء الشعب.

وعدم إلمام عموم المنطقة وأغلب سكّانها بالقرار رصدته أيضا “العرب” حين طرحت نفس التساؤل على بعض المصادر المحلية، التي نفت علمها بالخبر، الذي ورد مقتضبا على الموقع الإلكتروني لمجلس محافظة بغداد بعنوان “الشعب تدرج ضمن أقضية بغداد”، وجاء فيه أن المجلس صادق على تحويل ناحية الشعب إلى قضاء وفصلها عن قضاء الأعظمية للتمكن من تحسين مستوى الخدمات فيها وتحريك عجلة الإعمار.

مخاوف من تغييرات كبرى قادمة

إلى جانب تقسيمه الإداري إلى 18 محافظة، ينقسم العراق كذلك إلى وحدات إدارية أصغر تسمى قضاء. ويوجد في العراق أكثر من 130 قضاء إداريا، وهي تنقسم بدورها إلى وحدات أخرى تسمى بالنواحي. وتم التخطيط السابق لمدينة بغداد وفق احتساب عدد سكان تقديري يقدر بمليوني نسمة في حين تجاوز عدد سكانها حاليا حاجز المليون الثامن من دون أن ترافق هذا النمو خطط توسعة للمدينة.

مع توجه الحكومة المحلية في بغداد إلى استحداث وحدات إدارية جديدة ترفع من عدد أقضية العاصمة ونواحيها، تخشى أطراف سياسية من ضم مناطق تابعة لمحافظات أخرى إلى العاصمة تحت مسمى هذا الاستحداث
واعتمد مجلس محافظة بغداد في إصدار قراره على الزيادة السكانية لمنطقة الشعب والتي تجاوزت وفقا لتقديرات الحكومة المحلية 250 ألف نسمة، وهو وفقا لذلك مجرد قرار تنظيمي إداري ينسجم مع تطلعات الحكومة المحلية للعاصمة والتي سعت إلى تحقيقها منذ العام 2013 بموجب مشروع إعادة تقسيم مدينة بغداد إلى أقضية ونواح جديدة لمواكبة النمو السكاني فيها.
ويجعل ارتباط القرار ببعض المعطيات ذات العلاقة قرارا تمهيديا لتغييرات كبرى تتخوف أطراف سياسية من حدوثها في العاصمة بغداد، بل إنها تؤثر على محافظات أخرى لا سيما وأن المنطقتين تختلفان مذهبيا، إذ تقطن مدينة الأعظمية غالبية سنية فيما تقطن الشعب غالبية شيعية، وهو ما يثير المخاوف في محافظات أخرى مختلطة مذهبيا يطالب سكانها بالانضمام إلى مدن أخرى مثل الدجيل التي لا تبعد عن بغداد سوى (50 كلم شمالا) لكنها تتبع إداريا محافظة تكريت.

وكتب الإعلامي العراقي سفيان السامرائي في تغريدة على تويتر أن “سياسة فصل المدن والأقضية العراقية العربية السنية هي خطة إيرانية لجعل 800 كم من الحدود مع السعودية شيعية”. وأضاف أنه “تم فصل النخيب وفك ارتباط الأقضية المحاذية للسعودية وضمها للنجف الشيعية واليوم تم فصل الشعب عن الأعظمية، حتى التقسيم لحصار السنّة”.

وتعتبر منطقة الشعب بأحيائها الأربعة الرئيسة، البيضاء والبساتين وسبع قصور والفحامة وتضم جميعها (14) محلة سكنية، من الناحية الجغرافية، امتدادا لمدينة الصدر حيث لا يفصل بينهما سوى شارع عام بينما يفصلها عن منطقة الأعظمية التي كانت تتبعها إداريا الخط السريع المعروف باسم سريع قناة الجيش، فضلا عن بعض الأحياء التابعة للأعظمية إداريا أيضا وهي أحياء تونس والقاهرة والوزيرية.

مخاوف من صراعات طائفية بعد استعادة الموصل
الموصل (العراق) - وصف مسؤولون عراقيون المخاوف من الصراعات الطائفية في مرحلة ما بعد القضاء على تنظيم داعش في الموصل (شمال) واستعادتها بأنها “واقعية”. واعتبروا أن تلك المخاوف ترتبط بغياب الرؤية الموحدة بين الأطراف المعنية بإدارة الملف الأمني والسياسي في المدينة، التي لم يتضح بعد متى ستنطلق معركة استعادتها من تنظيم داعش، فيما تقول الحكومة إنها ستستعيد المدينة من التنظيم قبل حلول نهاية العام الحالي.

وتعد مدينة الموصل، ثاني أكبر مدينة في العراق من حيث عدد السكان بعد بغداد. ويبلغ تعداد سكانها حوالي 2 مليون نسمة قبل سيطرة داعش الإرهابي عليها، وتبعد عن بغداد مسافة حوالي 465 كلم. وأغلبية سكان المدينة من العرب السنّة. ويوجد أيضا مسيحيون وأقليات تنتمي إلى عدة عرقيات أكراد وتركمان وشبك وغيرها.

ويرى ديلدار الزيباري، المسؤول في مجلس محافظة نينوى (شمال)، أن المخاوف التي أطلقت من إمكانية حدوث صراعات طائفية لمرحة ما بعد استعادة الموصل من قبضة داعش “واقعية وترتبط أسبابها بعدم وجود رؤية موحدة لإدارة المدينة بعد المعركة”.

وتتمسك الأطراف السنيّة بموقفها الرافض لإشراك الحشد الشعبي خشية من تجدد الاشتباكات التي شهدتها مدينة تكريت على خلفيات طائفية العام الماضي.

ويرى العقيد المتقاعد في الجيش العراقي خليل النعيمي، أن الخلافات في إدارة الموصل الأمنية ستعود بصورة أقوى من السابق بعد استعادتها من تنظيم داعش.

وحذر من أنه “في منطقة الموصل هناك جهات سياسية سنية وشيعية أصبحت تمتلك فصائل مسلحة، إضافة إلى وجود قوات البيشمركة وقوات الجيش العراقي، وهذه المسميات من القوات تتهم كل طرف بالتفريط في الموصل قبل عامين، وستحدث تقاطعات كبيرة في إدارة المدينة أمنيا”. وأوضح أن “ملف الثارات العشائرية سيكون حاضرا بشكل كبير بعد استعادة الموصل بين المناطق الشيعية والسُنية، بسبب تعدد الجهات الأمنية، كما أن ملف المناطق المتنازع عليها بين بغداد وإربيل سيكون أحد أبرز التحديات التي تواجه المدينة بعد استعادتها”.

ومن بين المخاوف الأخرى التي رصدها معد التقرير إبراهيم صالح قلق من أن قرار فصل الشعب عن الأعظمية وإعلانها قضاء منفصلا، هو خطوة أولى باتجاه ضم القضاء الجديد إلى أقضية مدينة الصدر (وعددها ثلاثة: الصدر الأولى والثانية والثالثة) والتي تنتظر بدورها أن تصبح محافظة مع وجود توجه سياسي بهذا الهدف تتبناه كتلة الأحرار النيابية التابعة للتيار الصدري.

واللافت أن أهالي مدينة الصدر ورغم اقتناعهم بضرورة أن تصبح مدينتهم محافظة مستقلة عن العاصمة بغداد، لا يزالون يتخوفون من مثل هذا القرار باعتبار أن مدينتهم لا تمتلك من مقومات إعلان المحافظة سوى كثافتها السكانية.

ويقول حميد البهادلي، أحد شيوخ عشائر المدينة، إن “المدينة غير مؤهلة لأن تكون محافظة رغم أن الحل الوحيد لمشاكلها الحالية هو أن تصبح محافظة وهذه مفارقة تجعلنا نفكر جديا في أن ندفع باتجاه هذا الخيار لنبدأ بعدها في إعادة تأهيل المدينة”.

ويبدي ناشطون مدنيون خشيتهم من استقطاع مناطق مهمة في العاصمة بغداد كمدينة الصدر لإعلانها محافظة مستقلة تقلل من مساحة العاصمة في وقت تبدو البلاد سائرة إلى الفيدرالية التي تجعل الأقاليم الثلاثة المفترضة مرتبطة بعاصمة مركزية هي بغداد.

ويرى الناشط سيف سعد أن استقطاع مدينة الصدر من العاصمة سيجعلها “أضعف” بينما أن احتمالية ضم محافظة الصدر إلى إقليم آخر ستكون هي المرجحة برأيه. ومن المخاوف الأخرى التي أثارها قرار تحويل منطقة الشعب إلى قضاء منفصل عن الأعظمية تلك التي يبديها أهالي المحافظات المجاورة للعاصمة من إمكانية استقطاع مناطق معينة من محافظاتهم وضمها إلى مناطق أخرى تتبع إداريا للعاصمة.

مخطط قديم متجدد

مع توجه الحكومة المحلية في بغداد إلى استحداث وحدات إدارية جديدة ترفع من عدد أقضية العاصمة ونواحيها، تخشى أطراف سياسية من ضم مناطق تابعة لمحافظات أخرى إلى العاصمة تحت مسمى هذا الاستحداث كما هو الحال مع قضاء الفلوجة التابع لمحافظة الأنبار (غرب بغداد).

ويتخوف أهالي الفلوجة من استقطاع أراض تابعة لمدينتهم إداريا وضمها إلى قضاء أبي غريب (غربي بغداد) الممتد إلى الحدود الإدارية للعاصمة والتي تربطها مع محافظة الأنبار عبر الفلوجة. وتزداد هذه المخاوف مع اتضاح ملامح التغيير المرتقب من خلال اتساع دائرة القاطع الأمني لقيادة عمليات بغداد لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية والتي وصلت إلى داخل مركز مدينة الفلوجة.

ناشطون مدنيون خشيتهم من استقطاع مناطق مهمة في العاصمة بغداد كمدينة الصدر لإعلانها محافظة مستقلة تقلل من مساحة العاصمة

ويقول قصي الدليمي، أحد أهالي الفلوجة، إن “الفلوجة قضاء كبير ويضم مناطق بمساحات واسعة وما حدث خلال الفترة القليلة الماضية جعلنا نخشى من أن تتغير التقسيمات الإدارية وفقا لتقسيمات القواطع الأمنية”.

ويوضح الدليمي أن “هنالك رغبة سياسية في هذا الأمر بذرائع أمنية بالدرجة الأولى باعتبار أن الفلوجة ومناطقها تشكل عبئا على العاصمة بغداد، وأن ضم بعض مناطقها إلى العاصمة سيجعل المسؤولية الأمنية لها تحت إشراف مباشر لقيادة عمليات بغداد لا قيادة عمليات الأنبار أو شرطتها، وبالتالي لا يحدث تداخل في الصلاحيات أو تقاطع في المسؤوليات”.

وتبقى جميع هذه المخاوف قائمة ما لم تتضح الخطوات التي تؤكدها أو تنفيها، سواء في ما يتعلق باستحداث محافظات جديدة أو باستقطاع مناطق من محافظة ما وضمها إلى محافظة مجاورة لا سيما العاصمة بغداد، التي تعتبر محور أي خطة تقسيم تطرح ضمن مخطط قديم ومتجدد لإعادة رسم خارطة العراق، الذي تعود ملامحه الأولى إلى مشاريع المستشرق برنار لويس لإعادة تقسيم الشرق الأوسط، واتضحت خطوطه العريضة بعد الغزو الأميركي، خصوصا حين طرح سنة 2006 السيناتور الأميركي ونائب الرئيس أوباما جون بايدن فكرة تقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم: سنّية وشيعية وكردية، تتمتع باستقلال شبه ذاتي مع الإبقاء على العاصمة بغداد.

لكن، طرح بايدن في ذلك الوقت لم يأخذ حيزا كبيرا من الاهتمام. وبدا أن الطرح اختفى وخفت جدله وسط التطورات الأمنية والسياسية في العراق، ليعود مرة أخرى من وقت لآخر مع كل تطور تشهده البلاد، ووصل أخطر مراحله مع تمدد أذرع إيران في البلاد على وقع الحرب الطائفية المشتعلة من الشمال إلى الجنوب.

وكانت مجلة التايم قد عرضت في أحدد أعداد شهر يونيو 2014، خطة مشابهة لخطة بايدن تتحدث عن تقسيم البلاد إلى 3 دول، واحدة سنّية وأخرى شيعية وثالثة كردية، وقد جاءت بغداد على خارطة الدولة السنّية. كما توقع ريتشارد هاس، مدير مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، في كتابه “حرب الضرورة أم حرب الاختيار” (صدر في 2009) تفكّك العراق إلى ثلاث دويلات مع هيمنة إيرانية مباشرة على محافظات الجنوب.

وفي تقرير صدر في شهر مايو في التايم أيضا، كتب مستشار الأمن القومي في إدارة جورج بوش الابن مارك فايفلي يقول “دائما ما يقترح السيناتور آنذاك جو بايدن تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق تتمتع بحكم شبه ذاتي على أسس طائفية، إلا أن الكثيرين رفضوا هذا الاقتراح وسخروا منه. لكن الآن، وبعد مرور 10 سنوات دموية، سيكون من الحكمة أن يتقبل الرئيس الأميركي التالي هذا الاقتراح”.

اقرأ أيضا:

◄ القتال أو الهرب: محنة ويأس \'جيل الـ2000\' في العراق

6