فصل من رواية "لكي لا تتيه في الحي"

الأحد 2014/10/12
الكاتب الفرنسي يستحضر في طيات الماضي دروبا يعيد رسمها

لا شيء تقريبا. مثل وخزة حشرة تبدو أول الأمر خفيفة جدا. أو ذلك ما تقوله في نفسك بصوت خافت كي تطمئن. كان الهاتف قد رنّ حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر في بيت جان دَرَغان، في الغرفة التي يسميها “المكتب”. أخذته سِنة من النوم على كنبة في عمق الغرفة كانت في مَنَعة من الشمس. وهذا الرنين الذي فقد عادةَ سماعِه منذ مدة لا ينقطع. لمَ هذا الإلحاح ؟ لا شك أن الماثل في الطرف الآخر من الخط نسي أن يقفل السماعة. أخيرا نهض متجها صوب جهة من الغرفة قرب النوافذ، هناك حيث الشمس تنصلت بوهج أشدّ.

“أودّ التحدث إلى السيّد جان دَرَغان.”

صوت رخو ومُهدّد. كذلك كان انطباعه الأول.

“السيد دَرَغان؟ أتسمعني ؟”

أراد دَرَغان أن يغلق الخط. ولكن ما الجدوى ؟ سوف يعود الرنين بلا انقطاع. إلا إذا قطع سلك الهاتف نهائيا.

“هو نفسه.

- الأمر يتعلق بمفكرة عناوينك، سيدي.”

كان قد أضاعها الشهر الماضي في قطار يقوده إلى الساحل اللازوردي. لا يمكن أن يكون ضياعها في غير ذلك القطار. لا شك أنها انزلقت من جيب سترته حين سحب منه تذكرته ليقدمها للمراقب.

“وجدت مفكرة عناوين باسمك.”

على غلافها الرمادي مكتوب : ” في حال ضياع هذه المفكرة، يرجى إرسالها إلى..”. وكان دَرَغان قد كتب ذات يوم بغير تروّ اسمه وعنوانه ورقم هاتفه.

“سأجيئك بها إلى بيتك. في اليوم والساعة اللذين تريد.

أجل، كان فعلا صوتا رخوا ومهدّدا. بل إن فيه نبرة مبتزّ يهدّد بالتشهير.

“أفضّل أن نلتقي خارج البيت.”

جهد لتجاوز ضيقه. ولكن صوته، الذي أراده مستهينا، بدا له فجأة غير مميّز.

“كما تريد يا سيدي.”

خيّم الصمت.

“خسارة. أنا قريب جدا من سكنك. كنت أريد أ أسلمك إياها من يد إلى يد.”

تساءل دَرَغان ما إذا كان الرجل واقفا قدّام العمارة، وربما ماكثا هناك، يرقب خروجه. كان لا بدّ أن يتخلص منه في أسرع وقت.

“لنلتقِ غدا بعد الظهر، قال أخيرا.

لا يمكن أن يكون ضياعها في غير ذلك القطار. لا شك أنها انزلقت من جيب سترته حين سحب منه تذكرته ليقدمها للمراقب

- كما تشاء. ولكن في هذه الحالة، قرب محل عملي. في ناحية محطة سان لازار للأرتال.

همّ بإقفال الخط، ثم تمالك.

“تعرف نهج لاركاد؟ سأل الآخر. يمكن أن نلتقي في مقهى. في 42 نهج لاركاد.”

سجّل دَرَغان العنوان. استعاد نفَسه وقال :

“حسنا يا سيدي. في 42 نهج لاركاد. غدا، في الساعة الخامسة مساء.”

وأقفل الخط دون انتظار ردّ من مخاطبه. ثم ندم على تصرّفه بمثل تلك الخشونة، ولكنه عزا ذلك إلى الحرارة التي انصلتت على باريس منذ بضعة أيام، حرارة غير معهودة في شهر سبتمبر. كانت تدعّم وحدته. ترغمه على البقاء حبيس تلك الغرفة حتى غروب الشمس. ثم إن الهاتف ما عاد يرنّ منذ عدة أشهر. والجوّال، على مكتبه، لا يدري متى استعمله آخر مرة. لم يكن يحسن استعماله، وعادة ما كان يخطئ حين يضغط على المفاتيح.

لو لم يهاتفه ذلك الغريب لكان نسي تماما ضياع المفكرة. حاول تذكر الأسماء المدرَجة فيها. بل إنه أراد خلال الأسبوع المنقضي أن يعيد تدوينها. وبدأ يهيّـئ قائمة على ورقة بيضاء. وبعد برهة، مزّق الورقة. لا وجود فيها لأي اسم ممن كان لهم حضور في حياته، أولئك الذين لم ير قَطّ ضرورة في ترسيم عناوينهم وأرقام هاتفهم. كان يحفظها عن ظهر قلب. لم يكن في المفكرة غير علاقات عادة ما نصفها بكونها “ذات صبغة مهنية”، وبعض العناوين، الصالحة في الظاهر، لا تتجاوز في مجموعها ثلاثين اسما. من بينها ما كان من المفروض محوه، لزوال الحاجة إليه.
ذاكرته كان يمكن أن تكون أكثر توهجا في مقهى نهج ماتورين، قبالة المسرح، حيث كان ينتظر أمه

الشيء الوحيد الذي شغل باله منذ ضياع المفكرة هو أنه كتب عليها اسمه وعنوانه. طبعا، كان يمكن ألا يلبي الدعوة ويترك ذلك الرجل ينتظر عبثا في 42 نهج لاركاد. ولكن في هذه الحالة، شيء ما يبقى معلقا، التهديد. غالبا ما كان يحلم، في فراغ بعض أماسي الوحدة، أن الهاتف يرنّ وأن صوتا ناعما يدعوه إلى موعد. ويتذكر عنوان رواية كان قرأها : زمن اللقاءات. ربما لم ينتهِ هذا الزمن بالنسبة إليه. ولكن صوت الآونة الأخيرة لا يوحي بالثقة. رخو ومهدد في الآن نفسه، ذلك الصوت. أجل.


****


طلب من سائق التاكسي أن يدَعه في ساحة مادلين. كان الجو أقل حرارة من الأيام الأخرى وبإمكان المرء أن يتمشى بشرط أن يختار رصيف الظل. دلف إلى نهج لاركاد، نهج خال وصامت تحت الشمس.

لم يأت إلى هذه الناحية منذ زمن طويل. تذكر أن أمه كانت تمثل في مسرح قريب وأن أباه كان يشغل مكتبا في آخر النهج، على اليسار، في 73 شارع هوسمان. تعجب أن ذاكرته لا تزال تحتفظ بالرقم 73. ولكن كل هذا الماضي صار بالغ الرهافة مع الزمن… بخارا يتبدد تحت الشمس.

كان المقهى في زاوية النهج وشارع هوسمان. قاعة خالية، كونتوار طويل تعلوه رفوف، مثل سلف سرفيس أو ويمبي قديم. جلس دَرَغان إلى إحدى المناضد في عمق القاعة. هل يأتي الغريب إلى الموعد ؟ كان البابان مفتوحين، واحد على النهج والثاني على الشارع، بسبب الحرارة. في الناحية الأخرى من النهج، العمارة الكبرى بـ 73 … تساءل ما إذا كانت إحدى نوافذ مكتب أبيه لا تفتح على هذه الجهة. في أي طابق ؟ ولكن ذكرياته كانت تنسرب منه تباعا، مثل فقاقيع صابون أو مزق حلم تتطاير عند الصحو. ذاكرته كان يمكن أن تكون أكثر توهجا في مقهى نهج ماتورين، قبالة المسرح، حيث كان ينتظر أمه، أو في أنحاء محطة سان لازار، منطقة ارتادها من قبل كثيرا. ولكن لا. قطعا لا. لم تعد المدينة هي نفسها.

16