فصول

الأربعاء 2017/11/08

قالت: “ما إن تتفتح أوراق الباقلاء في الربيع حتى يبدأ مزاج زوجي بالتقلّب وحتى تغدو عصبيته وانفعاله فوق حدود الاحتمال!”.. وقال آخر: “لا علاقة لاضطراب الهرمونات بمزاج زوجتي إنها تحولات القمر مع بداية كل شهر قمري!”.. وقالت أخرى: “أكف عن الحديث إلى جارتي كل بداية خريف.. لأن الكآبة تسيطر عليها.. وهي تصف الأمر بثقة تامة قائلة بأن جنّي الخريف يتلبسها ولن يحلّ عنها حتى يحل الشتاء..!”.

فمثلما تبدل السماء ألوانها وتتغيّر فيها الأنواء والفصول يتغير البشر.. وهي حالة يذهب البعض إلى اعتبارها متعلقة ربما بالأبراج وحركة الأفلاك والنجوم.. فكثيرون منا تتبدل أمزجتهم وأنواؤهم بحسب التغيرات المناخية.. ومنهم من يعاني الشعور بالضيق أو الحزن أو الخمول.. وهو ما اصطلح عليه بالكآبة الموسمية التي قد تكون شديدة في بعض الحالات مما يتطلب اللجوء إلى علاج طبي أو نفسي.. وعلى العكس منها.. قد تتفتح الأسارير ويزداد النشاط وحب الحياة عند آخرين في مواسم بعينها لتكون أشهر إبداعهم السنوية..

حين أعدت طرح ذلك السؤال الكلاسيكي المعتاد: “أيّ الفصول أحب إليك؟”.. وجدت الاجابات المتباينة تعكس دواخل نفس كل منا.. قد لا تكون لتلك الإجابات علاقة بالكواكب.. أو بإفراز الدوبامين في الجسم.. وإنما تأتي بناء على انطباعات أو تجارب شخصية أو تربوية أو بيئية.. وعلى الرغم من أن الكثيرين بادروني بالإجابة المعتادة بأن فصل الربيع هو الأحلى والأحب إلى النفس.. إذ يعتدل الجو والمزاج مع تفتح الأزهار وتماهي عطورها بشذى الأوراق والألوان التي تحاكي صفاء السماء.. إلا أن آخرين أيضا ذهبوا إلى القول بأن الخريف أو الشتاء أو الصيف أقرب إلى نفوسهم..

وتدخل عوامل المكان والبيئة ومناخ البلد في تكوين الصور والانطباعات عن كل فصل لتأتي الاجابات المتباينة مثل: “لا أحب لا الربيع ولا الخريف فهما بتغيّر وتقلب أنوائهما يشكلان بيئة خصبة للأمراض والبرد والزكام”.. أو.. “أعشق الخريف لأنه يكافئنا باعتداله بعد صيفنا الحار”.. أو.. “أحب الخريف لأنه ارتبط عندي ببداية المدارس كل عام فهو أكثر الفصول إثارة وإبداعا”.. أو.. “لا أطيق الخريف فهو يأتي بروائح شتاء كئيب طويل”.. أو.. “لا أحب الربيع لأنه في بلدي فصل تكثر فيه الحشرات والذباب.. وهو قصير خاطف ليس فيه أي متعة!”.. أو.. “أكره الصيف لأنه مزدحم وحار ومزعج!”.. أو.. “الشتاء أكثر الفصول رومانسية فأنا أعشق المطر”.. أو :”لا أحب الشتاء ولا المطر لأنه يذكرني بالبلل والطين وملازمة البيت!”.. وإلى آخره من الإجابات المتناقضة..

وتذكرني انطباعات الشعوب والأفراد عن الفصول بجدل دار بشأن ترجمة بيت شعري للشاعر الإنكليزي وليم شكسبير وهو مطلع السوناتا 18 يقول فيه: “هل لي أن أشبهك بيوم صيفي.. وأنت أكثر روعة وأكثر ثباتا؟”.. وقد ترجمه الكثيرون.. بيد أن ما أثار الجدل هو أن صيف البلاد العربية الحار لا علاقة له بصيف الشاعر الإنكليزي الذي يراه ساحراً ويشبه به حبيبته.. ولعل الترجمة تغدو أكثر قبولا للمتلقي العربي لو شبهت الحبيبة بيوم ربيعي لولا أمانة الترجمة!..

وأخيرا.. أتساءل هل أن تغيير الساعة في أواخر الخريف والربيع لها أن تغير أمزجتنا هي الأخرى ما إن تتغير؟

شاعرة عراقية

21