فصول ثورة السوريين: بين عامي 2011 و2014

السبت 2015/01/03

ما يقارب أربعة أعوام مرت على اندلاع الثورة السورية مع دخول العام الجديد 2015. كانت أعواما استثنائية في قسوتها ومرارتها، في خيباتها وانتصاراتها، وفي صعودها وانحدارها. احتملها السوريون باستثنائية مماثلة، فكابدوا أربع سنوات من القتل الجماعي الممنهج بكل أنواع الأسلحة وبمشاركة دول حليفة كانت عديمة الرحمة في مواجهة تطلعاتهم المحقة نحو الحرية.

يجمع كل السوريين على أن العام الأول لثورتهم كان الأكثر جاذبية وألقا رغم الموت والاعتقال الذي تواصل كل يوم دون انقطاع. في هذا العام كان السوريون على موعد مع إعادة اكتشاف لهويتهم، إذ يعودون إلى السياسة بعد انقطاع دام 40 عاماً، ليكتشفوا هويتهم السورية من جديد من خلال التظاهرات التضامنية مع المناطق السورية الثائرة. تلاشت التفارقات المناطقية بين المدن السورية، وحضرت الهوية الوطنية التي وحدت الجميع للمطالبة بالتغيير.

حفلت لحظة الانتقال من السكون إلى الحركة بالنسبة لهم بمشاعر الترقب والانفعال والحذر، كونها لحظة استثنائية حضرت بصورة مباغتة للزمن السوري الراكد والمديد. زمن منع فيه نظام الأسد كل نشاط، ثقافي أو اقتصادي أو اجتماعي ناهيك عن السياسي، خارج الحيز الذي كان يحتله بعنف. أنهت الثورة السورية حالة مزمنة لدى السوريين من اللامبالاة بالسياسة والسياسيين، في وقت لم يدركوا فيه ذاتهم الجماعية، ما جعلهم قانعين بما تقسمه عائلة الأسد لهم، مذعنين لسياساتها التي كانت تفضي إلى مزيد الحرمان الاقتصادي والسياسي.

كان التظاهر السلمي الشكل النضالي الأبرز في عام الثورة الأول، بالإضافة إلى الاضرابات السياسية المرتبطة بالثورة والأنشطة السلمية المتعددة التي حاولت إبراز وتأكيد التمرد الشعبي على نسق السلطة. فتعددت النشاطات التي حاولت كسر ذلك النسق مثل الكتابة على الجدران، توزيع المنشورات، وضع مكبرات الصوت التي تصدح بأغاني القاشوش في الأماكن العامة، رفع أعلام الثورة على مباني عامة وجسور، تلوين البحرات باللون الأحمر ونشاطات كثيرة أظهرت حالة إبداعية استثنائية وواسعة النطاق.

في عامي 2011- 2012 كانت الثورة السورية تسجل من بين جميع الثورات العربية أعظم وأكبر عملية مشاركة جماهيرية وإدارة ذاتية من قبل “العامة” لشؤونهم السياسية والإعلامية والحياتية. فيما كانت تسجل أيضاً أكبر تدخل خارجي في شؤونها ومساراتها. ويعتبر هذا التناقض نتيجة مباشرة لعنف وتوحش نظام الأسد من جهة، ولطغيان مصالح الدول الإقليمية والدولية واستبدادها بمصالح وآمال السوريين من جهة أخرى. لكنه أيضاً نتاج انفجار ثورة سياسية دون سياسيين ودون حياة سياسية سابقة وصراع سياسي وأحزاب. ما جعل التنظيم السياسي للثورة هشاً، فاضعف مناعتها للتدخلات العديدة ذات اللبوس الإنساني والثوري.

في العام الثاني والثالث دخلت سوريا نفق الحرب مع بروز ظاهرة الجيش الحر. وقد واصلت الثورة مسيرتها بمزيج من السلاح والتظاهرات السلمية، وصولاً إلى اللحظة التاريخية الحرجة حيث سادت لغة السلاح، وحيث تحولت جموع المحتجين السلميين التي ملأت الساحات بتظاهرات شعبية حاشدة في جميع المدن السورية، إلى ثوار مسلحين في كتائب تطورت تدريجياً واشتد عودها حتى باتت مهيمنة بصورة مطلقة.

مع مستوى العنف الذي استخدمه النظام ضد ثورة شعبية سلمية، وطول أمدها وارتفاع مستويات القتل والدمار، إضافة إلى تدني مستوى الممارسة السياسية لدى المعارضة، كل تلك العوامل جعلت من المحتم ظهور خطاب متطرف لدى قسم من مكونات الثورة.

هكذا تزايدت المظاهر “الدينية” في خطاب المكون العسكري للثورة، وقد عبرت في جزء منها عن لجوء روحي إلى الإله القوي القادر على كسر إرادة الطاغية الذي يفتك بالشعب، وعن غياب التشكل السياسي لهذا المكون، لكنها عبّرت في شقها المتطرف “الأصولي” عن إرادة إقليمية ليست بريئة على الإطلاق، حيث عملت بجهد، كما عمل النظام وحلفاؤه أيضاً، على إنتاج وتمكين المجموعات الأصولية لكي تحرف الثورة عن مسارها الوطني الديمقراطي.

كان 2014 أشد أعوام السوريين ألما ورعبا ومرارة. في هذا العام تنامت قوة التيار الجهادي في سوريا، وقوة تنظيم “داعش” على وجه خاص. فيما ضعفت وتفككت تشكيلات الجيش السوري الحر وباتت عرضة للقتل الممنهج من قبل النظام والجماعات الجهادية. في هذا العام باتت الثورة السورية مهددة كما لم تكن من قبل. فالثورة المنهكة التي افتقدت الدعم والمساندة باتت محشورة بين فكي الإجرام: الأسد من جهة، وداعش والنصرة من جهة أخرى. يعمل هذان الوحشان الأكثر تنظيماً وتسليحاً على إشاعة أكبر قدر من القتل والفوضى، وعلى تثبيت حرب الجماعات التي تجعل نبوءة الأخضر الإبراهيمي المبكرة بـ”صوملة” سوريا حاضرة.


كاتب فلسطيني سوري

9