فصيح كيسو يسرد الأوجاع السورية في أعمال مفاهيمية مُلهمة

أعمال الفنان السوري تطرّقت إلى تأثير الحرب على الفن من خلال مشاهدات كيسو نفسه التي سجلها في فترة الحرب الإرهابية على سوريا عبر أعمال ثلاثية الأبعاد.
السبت 2021/07/24
ثقوب غائرة على سطح الذاكرة

دمشق – يواصل الفنان السوري الأسترالي فصيح كيسو عرض آخر أعماله التجهيزية الفنية في صالة الآرت هاوس بدمشق، مستعرضا من خلال معرضه الأخير الذي حمل عنوان “المرآة” خلاصة تجاربه الممتدة لأكثر من عشريتين، والتي صقلتها خبرات وتجارب في ثقافات متنوّعة أوصلته إلى العالمية.

ويتميّز المعرض الذي تتواصل فعالياته حتى نهاية يوليو الجاري بجمعه خليطا من المواد المستخدمة في العمل الفني والأفكار، التي شكّلت هاجسا عند كيسو عبر فترة زمنية طويلة جاوزت العقدين.

وعن المعرض يقول الفنان السوري المغترب بأستراليا “هو تعريف للجمهور السوري على فني منذ هاجرت إلى أستراليا في تسعينات القرن الماضي إلى يومنا هذا عن طريق عرض أعمال متنوّعة تعالج أفكارا مختلفة”.

فصيح كيسو: التنويع بالطرق والمدارس هو الوارد حاليا في فنون ما بعد الحداثة
فصيح كيسو: التنويع بالطرق والمدارس هو الوارد حاليا في فنون ما بعد الحداثة

ويضيف “الأعمال تحكي عن إخفاء الجسد وزخرفته ليصبح مقبولا للمشاهد الشرقي، إضافة إلى أعمال فوتوغرافية مع تقنيات الكمبيوتر حملت موضوعات مختلفة تشمل تداخل فنون الغرب بفنون الشرق، وأيضا تأثر المهاجر الشرقي بالغرب وتأثيره على المجتمع العربي”.

كما تطرّقت اللوحات إلى تأثير الحرب على الفن من خلال مشاهدات كيسو نفسه التي سجلها في فترة الحرب الإرهابية على سوريا عبر أعمال ثلاثية الأبعاد، إضافة إلى التوتياء المثقبة التي أدخل عليها مادة الأكريليك إلى جانب المواد المتصدئة بسبب عوامل الحرب، للتأكيد على التناقضات الكثيرة في الحياة التي تشبه الدواخل البشرية.

وضمن هذا السياق يقدّم الفنان مرآته التي إذا وقف المُشاهد أمامها لن يرى نفسه بالشكل الأمثل، حيث يوجد هناك صفيح مثقب بالرصاص والقذائف، في تجربة لرؤية آثار الحرب في باطن الإنسان.

وفي لوحة أخرى حملت عنوان “اللوحة-الحياة” تتراءى للناظر إليها الألوان الضاجة والتشكيلات الهندسية لتبدو وكأنها مجرد زخرفات، والحال أنها رسم لأجساد بشرية عارية مبعثرة على بياض اللوحة، وما التكرار في الألوان الصاخبة إلاّ إلغاء مُمنهجا من الرسام لفكرة عُري الأجساد.

وعن هذا التوجه، يقول “في العام 1990 أقمت معرضا في المركز الثقافي الفرنسي في بيروت وكان موضوعه عن العُري، فلاحظت بأن المجتمع العربي لا يتقبّل الأجساد العارية بالشكل المباشر، وبالمصادفة وأنا أعمل في الغرفة السوداء، وجدت شكلا متعاكسا كنت قد التقطته، وباستخدامي للمرآة تكرّر الشكل، بعدها اشتغلت على هذا الأسلوب أكثر في أستراليا، حيث أخذت جزءا من الجسد، وكرّرته بطريقة الزخرفة الشرقية العربية كالأرابيسك، مع إخفاء الجسد بالألوان”.

وتتعدّد التقنيات والأساليب التي يعمل عليها الفنان السوري، وهو الذي يقول “بدايتي كانت الصورة بالأبيض والأسود تخلّلتها تجارب باستخدام الألوان على الصورة، هذا كان في بيروت، ثم تدريجيا وعند انتقالي إلى أستراليا طغى استخدام اللون والفرشاة على الصورة إلى درجة أنني غيبتها أو لنقل حجبتها تماما كون الجسد العاري كان العنصر الأساسي فيها”.

تكرار للون والشكل دون السقوط في الرتابة
تكرار للون والشكل دون السقوط في الرتابة

ويوضّح “أدخلت إثرها الفيديو في تكوين العمل الفني، والذي عنصره الأساسي لا زال الصورة، تلتها مرحلة استخدام تقنيات متعدّدة في تشكيل العرض، فكان الأداء الحي وتجهيز الفيديو والصورة الملونة والطباعة المتنوّعة والإضاءة والصوت والموسيقى، إلى درجة أن بعض الأعمال فرغت من الصورة الضوئية”.

وهو يؤكّد “هي ليست نقلات بل تداخل في التخصّصات، أي تداخل الصورة مع اللون مع الفيديو والأداء وغيرهم”. ومع ذلك ظلت الصورة العنصر الأبرز في أغلب أعمال كيسو التي قدّمها في العديد من المعارض والمتاحف في أستراليا وباكستان وكوالالمبور وجاكرتا ومتحف الفن الحديث في نيويورك.

ولأن تجربة كيسو الفنية تنهل من التجريب الذي يصب في تيارات فنون ما بعد الحداثة، قال عماد كسحوت، مدير مديرية الفنون الجميلة بسوريا، عن المعرض والفنان “الغاية من الفن والفنان بأن تكون نتيجته غير عادية، وفصيح كيسو تشكيلي مبتكر ومربك أيضا. ومعرضه الأخير يعكس تجربة متطوّرة في مجال الفن، من حيث الحداثة الواضحة والابتكار، وهما عنصران مهمّان في تحقيق معادلة الاختلاف والجمال”.

أما النحات السوري مصطفى علي، فقال عن كيسو “عرفت الفنان في بداياته الأولى، وكنت من أول المشجعين له، فأول معرض فني أقامه كان في الغاليري الخاص بي، وهو أول من عمل على فن الأداء في سوريا”.

تداخل فنون الغرب بفنون الشرق
تداخل فنون الغرب بفنون الشرق

واسترسل “يأتي معرضه الأخير تأكيدا لتوجّه كيسو المبتكر والمختلف، وتجاربه ضرورية كي يراها الفنانون الشباب ويتعلموا منها، إضافة إلى أنها غنية جدا بالتنوّع والتميّز، ففيها أيضا شيء من الفن الشعبي وأثر الحرب، هي تجسيد لأثر حياتنا في دواخلنا”.

وعن موقع الفن السوري كما يراه اليوم، يقول كيسو “هي تجربة رائعة ورائدة أيضا، لأنها لم تتوقّف خلال الحرب بل أنتجت مواهب متعددة”.

أما عن مساهمته الخاصة في تطوير تيار الفن المعاصر بسوريا، فيقول “في اعتقادي هذا التطوير يحتاج إلى تاريخ وإلى عمل يتطلب زمنا طويلا، وفي المقابل إذا عمل الفنانون على أدوات هذا الفن، فهذا لن يلغي الفنون الأخرى من نحت أو تصوير، فلا شيء يلغي الآخر في الغرب، ولكن التنويع بالطرق هو الوارد مع التجارب، وهذا ما نحن بحاجة إليه، وعلينا أن نتعوّد رؤية المختلف، كما أتمنى أن نشاهد تجارب أكثر للفنانين السوريين الذين يعملون في هذا الإطار، خصوصا أن هذا النوع من الفنون بدأ يأخذ مكانه بشكل واضح في لبنان، وأصبحنا نلمسه مؤخرا في العراق، وأيضا في الإمارات، حيث باتت حالات التعبير الفني فيها مختلفة جدا”.

وكيسو حائز على الدكتوراه في الفنون البصرية من كلية الإعلام والفنون البصرية بسوريا، وهو مؤسّس ومدير مركز الفنون الجديدة في الحسكة، حيث أنشأ صالة لعرض جميع أنواع الفنون من تصوير ونحت وحفر وفيديو آرت، وله مقتنيات بجميع بلدان العالم.

15